صفة الجنة الموعودة لأهل التقوى:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 437)جامع البيانالطبري١٦/٤٣٧ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: {مَّثَلُ الْجَنَّةِ}: صفتها العجيبة ونعتها العظيم الذي وعده الله الذين اتقوا عقابه في الدنيا بطاعته؛ تجري من تحت بساتينها وقصورها أنهار الماء العذب واللبن والخمر والعسل؛ {أُكُلُهَا دَائِمٌ}: لا ينقطع ثمرها في شتاء ولا صيف ولا يحظره حائل، كلما جُني نبت مكانه مثله؛ {وَظِلُّهَا}: دائم أيضاً لا تنسخه شمس ولا يزول، كقوله تعالى: {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ} [الواقعة: 30].
المقارنة الختامية بين العاقبتين:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 473)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٧٣: «{تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا}: أي تلك الجنة ونعيمها الدائم هي المآل والمرجع الأخير لمن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى؛ {وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ}: كما قال تعالى: {لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ} [الحشر: 20]».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مَّثَلُ
الصفة العجيبة والنعت البديع؛ والمثل يُطلق ويراد به القصة والصفة الرائعة.
أُكُلُهَا
ما يُؤكل من ثمارها ونعيمها، والأُكُل بضم الهمزة والكاف ويجوز تسكين الكاف تخفيفاً.
عُقْبَى
العاقبة والمآل والجزاء الأخير؛ فُعْلى من التعقيب.
مَّثَلُ
مبتدأ مرفوع بالضمة، وخبره محذوف تقديره: فيما يتلى عليكم، أو خبره جملة {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}.
الْجَنَّةِ
مضاف إليه مجرور بالكسرة.
الَّتِي
اسم موصول في محل جر نعت للجنة.
وُعِدَ
فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح.
الْمُتَّقُونَ
نائب فاعل مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
تَجْرِي
فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل.
مِن تَحْتِهَا
متعلق بـ"تجري".
الْأَنْهَارُ
فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
أُكُلُهَا
مبتدأ مرفوع بالضمة، والهاء مضاف إليه.
دَائِمٌ
خبر المبتدأ مرفوع بالضمة.
وَظِلُّهَا
معطوف على "أكلها"، وخبره محذوف دل عليه الأول؛ أي: وظلها دائم كذلك.
تِلْكَ
اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ.
عُقْبَى
خبر المبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر.
الَّذِينَ
اسم موصول في محل جر مضاف إليه.
اتَّقَوا
فعل ماض وفاعله، والصلة لا محل لها.
وَّعُقْبَى
الواو عاطفة، "عقبى" مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة.
الْكَافِرِينَ
مضاف إليه مجرور بالياء.
النَّارُ
خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة الكبرى بين عذاب الكافرين ونعيم المتقين:
تأتي هذه الآية في أعقاب بيان عذاب الدنيا والآخرة للكفار في الآية 34: {لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا...}؛ ليقابل القرآن مشهد الوعيد بمشهد الوعد؛ وهو منهج الترداد المتقابل بين الترهيب والترغيب لتوازن حركة النفس.
الإيجاز الإعجازي في المقابلة الختامية:
قابل قوله: {تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا} بما حواه من تفصيل بديع للجنة بأنهارها وأكلها الدائم وظلها، بقوله المقتضب الصاعق: {وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ} دون تطويل؛ تحقيراً لشأنهم ولإبراز هول المفاجأة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع توهم انقطاع نعيم الآخرة كنظيره في الدنيا:
نعيم الدنيا يعتريه عيبان قاتلان: الانقطاع بالزوال، وتنغيص اللذة بالآفات ونفاد الأرزاق؛ وجاء التعبير القرآني الحاسم {أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} ليدفع قياس الغائب على الشاهد؛ فنفاذ نعم الدنيا سببه عجز المنعم أو فناء المادة، والله حي قيوم خزائنه لا تنفد وقدرته لا تحد.
إطلاق {مَّثَلُ} لإبراز البون الشاسع:
تصدير الآية بلفظ "مثل" يُشعر بأن ما يُوصف هو تقريب للصورة لأذهان البشر؛ لأن في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
الحذف البلاغي في {وَظِلُّهَا}:
حذف الخبر لدلالة الأول عليه (إيجاز بالحذف)؛ مما يمنح العبارة رشاقة موسيقية وتماسكاً بيانيا مبهراً.
التنكير في {دَائِمٌ}:
تفيد استمرار الوجود واستغراق الأزمنة بلا شائبة انقطاع.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التقوى شرط الحصول على العقبى الكريمة:
ربط العقبى بصفة التقوى: {عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوا} يُربي في العبد أن نعيم الجنة ليس أماني مجردة، بل هو ثمرة عمل دؤوب في مراقبة الله وحفظ حدوده.
تسلية المؤمنين الصابرين:
مهما ضاقت الدنيا على أهل الإيمان، فإن تذكر جريان الأنهار والظل الدائم وثمار الجنة التي لا تنقطع يورث برداً وسكينة في الصدور واطمئناناً بوعد الله الحق.