المعنى الجامع للآية:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 345)جامع البيانالطبري١٦/٣٤٥ عن قتادة والضحاك ومجاهد والسدي: يخبر الله تعالى أن جميع أحوال العباد في إخفائهم وإظهارهم وليلهم ونهارهم سواء في علمه؛ لا يخفى عليه المسرّ ولا الجاهر، ولا المختبئ بظلام الليل ولا الماشي جهاراً في ضوء النهار.
تفسير {مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 439)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٣٩: «{مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ}: مختفٍ متوارٍ في ظلام الليل، {وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ}: سالك في الطريق ظاهراً ماضياً في حوائجه؛ فهؤلاء سواء في علم الله تعالى وإن تفاوتوا في أحوالهم».
وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" (9/ 291)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٩/٢٩١ قولاً آخر: «{مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ}: ظانّ أنه يخفى ويستتر بظلامه؛ {وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ}: بارز ظاهر في ضوء النهار؛ فكلاهما في علم الله سواء».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
سَوَاءٌ
مصدر يُستعمل للدلالة على التساوي والاستواء؛ والمعنى: متساوون في علم الله.
أَسَرَّ
من السر وهو الكتمان والإخفاء.
جَهَرَ
أعلن وأظهر.
مُسْتَخْفٍ
اسم فاعل من استخفى استخفاءً؛ طلب الخفاء والاستتار.
سَارِبٌ
اسم فاعل من سرب يسرب؛ أي ذهب وسلك في سربه وطريقه بارزاً.
سَوَاءٌ
خبر مقدم أو مبتدأ مرفوع.
مِّنكُم
متعلق بمحذوف حال.
مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ
"من" اسم موصول في محل رفع مبتدأ مؤخر أو فاعل لمحذوف.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الترقي في إثبات إحاطة العلم:
انتقلت الآيات من علم الله بما في الأرحام (الآية 8) إلى علمه بغيب الغيوب وشهادة الشهادات (الآية 9) إلى تفصيل علمه بأحوال الناس في إسرارهم وجهرهم وليلهم ونهارهم (الآية 10)؛ وهو ترقٍّ تعليمي من المثال الخاص إلى الحكم العام الفردي.
المقابلة الرباعية البديعة:
قابلت الآية بين أربع حالات: الإسرار والجهر في القول، والاستخفاء بالليل والسروب في النهار؛ لتستوعب جميع مخبآت الإنسان ومظاهره دون أن يفوت منها شيء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع توهم الإفلات من علم الله:
ظن بعض الغافلين أن كثرة الخلق وتشعب أحوالهم تحول دون إحاطة الخالق بكل تفصيلاتها؛ وترد الآية: بأن علم الله ليس كعلم الإنسان المحدود بالحواس والأدوات؛ بل هو علم ذاتي قديم لا يستلزم تعلماً أو استقصاءً؛ فالسر والجهر والليل والنهار سواء عنده تعالى.
الطباق المزدوج في الآية:
{أَسَرَّ/جَهَرَ} طباق صريح في القول، {مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ/سَارِبٌ بِالنَّهَارِ} طباق في الحال؛ وتضافر الطباقين يرسم صورة مكثفة بالغة للإحاطة الإلهية التي تطوق الإنسان من كل جهاته.
التقديم في {سَوَاءٌ مِّنكُم}:
تقديم الخبر "سواء" على المبتدأ يفيد الحصر والتخصيص؛ أي إن الاستواء حاصل لا محالة، وليس مقيداً بحال دون حال.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
بناء شخصية الإنسان الرقيب:
إدراك أن الله يسوّي بين سرّه وعلنه، وليله ونهاره، في حكم المراقبة الإلهية، يُنتج في العبد خُلق "الإحسان" الذي عرّفه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» (رواه البخاري ومسلم).
تحرير النفس من الرياء والسمعة:
حين يستوي عند الله سر العمل وعلنه، يتحرر العبد من سلطة نظر الناس، ويتمحض عمله لله وحده.