سبب النزول وسياق الآية:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 342)جامع البيانالطبري١٦/٣٤٢ عن قتادة والضحاك: لما ذكر الله أنه الهادي لكل قوم والمنذر بكل نبي، ناسب أن يبين إحاطة علمه بما لا يعلمه أحد من خلقه؛ فالله الذي يعلم حمل كل أنثى في أرحامها وما ينقص الأرحام أو يزيد، أجدر أن يعلم ما يُصلح العباد فيرسل إليهم الأنبياء.
علم الله بأسرار الأرحام:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 438)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٣٨: «{اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ} أي يعلم ما في بطنها من الجنين: أذكر أم أنثى، أتام أم ناقص، صحيح أم مريض، شقي أم سعيد، واحد أم متعدد؛ {وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ} أي ما تنقصه من مدة الحمل عن التسعة أشهر أو من حجم الجنين أو بأن ترى المرأة دماً؛ {وَمَا تَزْدَادُ} أي تزيد على مدة الحمل المعتادة أو في كبر الجنين وعدده».
{بِمِقْدَارٍ} والمعنى الجامع:
قال الإمام السعدي في "تيسير الكريم الرحمن" (ص443)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٤٣: «{وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ}: هذا إخبار عام بعد الخاص؛ فكل شيء في الوجود مقدّر عند الله تقديراً محكماً، ومكتوب في اللوح المحفوظ قبل أن يُخلق الكون بخمسين ألف سنة».
وقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه (عن عبد الله بن عمرو بن العاص رقم 2653): «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
تَغِيضُ
من غاض الماء يغيض غيضاً إذا نقص وغار في الأرض؛ وغيض الرحم: نقصانه عن المدة المعتادة أو رؤية الدم في أثناء الحمل.
تَزْدَادُ
من زاد يزيد، والتاء للمطاوعة على رأي؛ وزيادة الرحم: امتداد مدة الحمل أو كثرة الأجنة.
بِمِقْدَارٍ
المقدار: الحد والمقياس المضبوط الذي لا يزيد ولا ينقص.
اللَّهُ
مبتدأ مرفوع بالضمة.
يَعْلَمُ
فعل مضارع مرفوع خبر المبتدأ.
مَا تَحْمِلُ
"ما" اسم موصول في محل نصب مفعول به لـ"يعلم"، وجملة "تحمل" صلة الموصول.
كُلُّ أُنثَىٰ
"كل" فاعل لـ"تحمل" مرفوع، "أنثى" مضاف إليه مجرور.
وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ
معطوف على "ما تحمل"، "الأرحام" فاعل "تغيض".
وَمَا تَزْدَادُ
معطوف أيضاً.
وَكُلُّ شَيْءٍ
الواو استئنافية أو عاطفة، "كل" مبتدأ، "شيء" مضاف إليه.
عِندَهُ
ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم.
بِمِقْدَارٍ
جار ومجرور في محل رفع خبر المبتدأ "كل"، أو متعلق بمحذوف خبر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من الهداية إلى الإحاطة العلمية:
بعد أن قرر الله في الآية السابقة: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}، جاءت هذه الآية لتبين المقتضى الذي يجعل إرسال الهادين ممكناً وحكيماً؛ وهو أن الله يعلم حال كل أمة وكل فرد في أخص أحوالهم الخفية، فيرسل إليهم من يناسب حالهم.
التدرج من الخاص إلى العام:
بدأ بأخص ما يخفى على البشر وهو أسرار الأرحام، ثم انتهى إلى الحكم العام الجامع: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ}؛ وهو نهج قرآني في الترقي من المثال الحسي إلى المبدأ الكلي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الرد على دعوى التناقض بين علم الله بالجنين وما يكشفه الطب:
علم الله بأسرار الأرحام ليس متعارضاً مع ما توصل إليه الإنسان بالتقنية من معرفة جنس الجنين بالأجهزة؛ ذلك أن الله سبحانه هو الذي أودع في الطبيعة قوانين يمكن بها اكتشاف بعض ذلك؛ وعلمه أشمل وأسبق وأحاط؛ فالإنسان يعلم ما ظهر وتكشّف بعد تخليق الجنين، والله يعلم ذلك قبل وجوده وقبل الخلق.
التقديم في {اللَّهُ يَعْلَمُ}:
تقديم اسم الجلالة على فعل "يعلم" يفيد الحصر والاختصاص؛ أي الله وحده —دون سواه— هو الذي يعلم هذه الأسرار الغيبية في جوهر الأرحام.
المقابلة بين {تَغِيضُ} و{تَزْدَادُ}:
الطباق بين الغيض والازدياد يستوعب كل الأحوال؛ فلا يخرج شيء من حمل الأنثى عن علم الله سواء أنقص أم زاد أم ثبت على حاله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الشعور بالمراقبة الإلهية الدائمة:
إدراك أن الله يعلم ما في الأرحام وما في الصدور وكل شيء بمقدار، يُنتج في قلب المؤمن حضوراً دائماً وشعوراً لا يفتر بأنه في عين الله؛ فيُحسن في السر كما يُحسن في العلن.
الثقة بالقدر والطمأنينة:
{وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ} دواء ناجع لقلق الإنسان وهلعه من المجهول؛ فحين تعلم أن كل شيء مقدّر لا يخرج عن علم الله وإرادته، تنتقل من القلق إلى الرضا، ومن الاضطراب إلى السكينة.