استهزاء المشركين واستعجالهم نزول العذاب:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 334)جامع البيانالطبري١٦/٣٣٤ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك وابن إسحاق: يخبر الله تعالى عن سفه كفار مكة ومكابرتهم للنبي صلى الله عليه وسلم؛ كانوا يطالبونه بتعجيل العقوبة بدلاً من أن يسألوه العافية والرحمة، كقول النضر بن الحارث: {اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال: 32].
تفسير {وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ}:
أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: «المَثُلات: العقوبات والنكالات التي أنزلها الله بالأمم المكذبة الماضية كقوم نوح وعاد وثمود؛ ومفردها مَثُلَة (بفتح الميم وضم الثاء)، وسُميت مَثُلة لأنها تجعل صاحبها عبرة ومثلاً سائراً للغابرين».
التوازن بين المغفرة وبطش العقاب:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 436)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٣٦: «{وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ}؛ أي ذو صفح وحلم وإمهال، لا يعاجلهم بالعقوبة مع كثرة ذنوبهم، بل يرزقهم ويعافيهم ويفتح لهم أبواب التوبة؛ {وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} لمن أصر على كفره وتجاوز الحدود».
وقد أخرج الإمام السعدي في "تيسير الكريم الرحمن" (ص442)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٤٢: «في الجمع بين الصفتين تربية للعباد على مراقبة الله بين الرجاء والخوف؛ فلا يُفضي سعة المغفرة إلى الاغترار، ولا يُفضي شدة العقاب إلى القنوط».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَسْتَعْجِلُونَكَ
السين والتاء للطلب والمبالغة؛ استعجل الشيء: طلب تعجيله قبل وقته المقدر.
بِالسَّيِّئَةِ
العقوبة والعذاب والشر؛ سُميت سيئة لأنها تسوء من تنزل به.
الْحَسَنَةِ
العافية والنعمة والرحمة والإيمان.
الْمَثُلَاتُ
جمع مَثُلَة (بضم الثاء وإسكانها تخفيفاً)، العقوبة الرادعة الفاضحة.
"إن" ناسخ واسمها "ربك"، اللام المزحلقة، "ذو" خبر مرفوع بالواو لأنه من الأسماء الستة، "مغفرة" مضاف إليه.
لِّلنَّاسِ
متعلق بمحذوف نعت لـ"مغفرة".
عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ
"على" للمصاحبة، متعلق بمحذوف حال.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ
معطوفة، "شديد" خبر إن مرفوع، "العقاب" مضاف إليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبراز الطيش البشري في مقابلة الحلم الإلهي:
سياق الآية يصور مفارقة نفسية عجيبة: المذنب يطيش عقله فيتحدى خالقه ويستعجل نزول العذاب: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ}، والله سبحانه بحلمه العظيم يمهلهم ويفيض عليهم من مغفرته مع علمه بظلمهم: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ}.
التوازن القرآني بين الرجاء والترهيب:
ختم الآية بالجمع بين المغفرة وشدة العقاب يربي النفس المؤمنة على التوازن الدقيق؛ فلا تيأس من رحمة الله، ولا تأمن مكره.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة بطلان النبوة بتأخر العذاب المستعجل:
كان المشركون يقولون: لو كان محمد نبياً لأمطر الله علينا العذاب فور استعجالنا له؛
وترد الآية: بأن الله ليس خاضعاً لأهواء العباد، بل له سنن ومواقيت؛ وتأخير العذاب ليس عجزاً بل حكمة لإتاحة فرصة التوبة؛ وقد نزلت بهم المثلات يوم بدر وما تلاه.
البلاغة في استعمال "على" في {عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ}:
تفيد المصاحبة مع الاستعلاء المجازي؛ أي يغفر لهم مع كونهم متلبسين بالظلم؛ وهذا منتهى سعة الحلم الإلهي.
التأكيد بـ"إنَّ" واللام في الموضعين:
{وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو... وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ}: لترسيخ الصفتين في يقين السامع؛ فالمغفرة محققة والبطش محقق لا ريب فيه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
سؤال الله العافية:
النهي الصارم عن استعجال البلاء أو الدعاء على النفس بالشر؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «سَلُوا اللَّهَ العَفْوَ وَالعَافِيَةَ، فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْطَ بَعْدَ اليَقِينِ خَيْرًا مِنَ العَافِيَةِ» (رواه الترمذي وأحمد).
الجمع بين الخوف والرجاء:
يسير المؤمن إلى ربه كطائر رأسه المحبة وجناحاه الخوف والرجاء؛ فإن غلب الخوف وقع في القنوط، وإن غلب الرجاء وقع في الأمن من مكر الله.