{جَنَّاتُ عَدْنٍ} وصف المأوى:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 395)جامع البيانالطبري١٦/٣٩٥ وابن أبي حاتم عن ابن مسعود وعلي وابن عباس: جنات عدن هي دار القرار ووسط الجنة وأشرفها؛ وعدن من عدن بالمكان إذا أقام وثبت؛ أي جنات إقامة وخلود لا ظعن فيها ولا تحول.
{وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 460)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٦٠: «{وَمَن صَلَحَ}: أي المؤمنون من ذرياتهم وآبائهم وأزواجهم يُلحقهم الله بهم في عليين تبعاً لهم وتقريراً لعينهم دون أن ينقص ذلك من أجورهم شيئاً؛ كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} [الطور: 21]».
{وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ}:
قال السعدي في "تيسير الكريم الرحمن" (ص455)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٥٥: «تكريم عظيم أن تدخل الملائكة على أهل الجنة من كل باب تُبشّرهم وتُحيّيهم وتُهنئهم؛ وهذا دليل على رفعة مكانتهم عند الله حتى إن أشرف الخلق يُكرمهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
عَدْنٍ
الإقامة والاستقرار التام.
صَلَحَ
أتى بالصلاح والإيمان الحقيقي.
ذُرِّيَّاتِهِمْ
الأبناء والأحفاد.
جَنَّاتُ عَدْنٍ
خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هي جنات عدن، تفسير لـ{عُقْبَى الدَّارِ} في الآية السابقة.
يَدْخُلُونَهَا
جملة في محل رفع نعت لـ"جنات" أو حال.
وَمَن صَلَحَ
"من" موصولة معطوفة على فاعل "يدخلون".
مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ
بيان لـ"من" أو متعلق بـ"صلح".
وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم
"الملائكة" مبتدأ، "يدخلون عليهم" الخبر.
مِّن كُلِّ بَابٍ
متعلق بـ"يدخلون".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بيان جنة أولي الألباب تفصيلاً:
بعد {عُقْبَى الدَّارِ} في الآية السابقة جاءت هذه الآية والتالية تفصيلاً بديعاً لتلك العقبى؛ فـ"عقبى الدار" هي جنات عدن مع الأهل والملائكة.
التجمع العائلي في الجنة نعمة عظيمة:
ذكر الآباء والأزواج والذريات يُقرر أن الجنة ليست نعيماً فردياً بل اجتماعياً أسرياً؛ وذلك مما يتعلق به القلب ويُعلي من شوق النفس إلى الجنة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
كيف يُلحق الله الذرية بآبائهم دون أن ينقص أجر الآباء؟:
قال المفسرون: الله يُنعم على الذرية من فضله دون نقص من درجات الآباء؛ بل هو من تمام كرم الله أن يُجمع أهل الجنة في الدرجات العليا دون أن يُنقص أحدهم.
{مِّن كُلِّ بَابٍ} التعميم البهيج:
"من كل باب" يصوّر اندفاع الملائكة بالفرح والتكريم من كل الاتجاهات؛ كأن الجنة تُفتح من كل أبوابها لاستقبال أصحابها وتهنئتهم.
تقديم {جَنَّاتُ عَدْنٍ} على الجملة الفعلية:
تقديم الاسم يُثبت النعمة ويُمكّنها في الذهن قبل بيان ما سيجري فيها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
حافز إصلاح الأهل للقاء في الجنة:
{وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} حافز عاطفي قوي لدعوة الأهل وإصلاحهم؛ فمن أراد أن يلقى أهله في الجنة فليعمل على هدايتهم وتعليمهم.
تشريف الملائكة للمؤمنين رد على من يحتقر أهل الصلاح:
حين تدخل الملائكة على عباد الله الصالحين مُبشِّرة مُهنِّئة، كان هذا رداً قرآنياً على كل استهزاء بالمتقين في الدنيا.