{مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ}:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 390)جامع البيانالطبري١٦/٣٩٠ وابن أبي حاتم عن ابن عباس وقتادة ومجاهد والحسن: {ما أمر الله به أن يوصل}: يشمل كل ما أوجب الله وصله: صلة الرحم، وصلة الأخوة الإيمانية، والقيام بحقوق الوالدين، وصلة العلماء، وكل ما يجمع بين الناس بالبر والإحسان.
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 458)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٥٨: «الأظهر أنه عام في كل صلة أوجبها الله؛ من صلة الأقارب والجيران والأصدقاء والإخوة في الدين، وصلة النبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان به واتباعه».
{وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ}:
قال السعدي في "تيسير الكريم الرحمن" (ص454)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٥٤: «{يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ}: يخشون الله في ذاته وعظمته وجلاله؛ وهذه الخشية تدفعهم إلى إتقان الأعمال؛ {وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ}: يخافون الحساب الشاق على تقصيرهم؛ وهذا الخوف من الحساب يدفعهم إلى إحكام الأعمال وتجنب التفريط».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يَصِلُونَ
من وصل يصل وصلاً وصلةً؛ ضد القطع والهجران.
يَخْشَوْنَ
الخشية أعظم من الخوف؛ لأنها خوف مقترن بتعظيم وإجلال.
سُوءَ الْحِسَابِ
الحساب العسير الشاق الذي لا يخفف عنه ولا يُعفى عنه.
وَالَّذِينَ يَصِلُونَ
معطوف على "الذين يوفون" في الآية السابقة؛ موصولة في محل رفع.
مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ
"ما" موصولة مفعول به ليصلون، "أمر الله" الصلة، "به" الضمير العائد على "ما".
أَن يُوصَلَ
"أن" مصدرية؛ أي يصلون الذي أمر الله بوصله.
وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ
معطوف على "يصلون".
وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ
معطوف، "سوء" مفعول به، "الحساب" مضاف إليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدرج في وصف أولي الألباب:
صلة الرحم والخشية والخوف ثلاث صفات تتمم الوفاء بالعهد؛ فمن وفى بعهد الله وصل ما أمر الله بوصله في علاقاته البشرية، وخشي ربه في قلبه، وخاف حسابه في نهاية مطافه.
الجمع بين الخشية والخوف:
ذكر الخشية من الله والخوف من سوء الحساب معاً يُقرر أن المؤمن يخاف من جهتين: من الله ذاته إجلالاً، ومن عواقب تقصيره حساباً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الفرق بين الخشية والخوف:
قال العلماء: الخشية أخص من الخوف؛ فكل خاشٍ خائف وليس كل خائف خاشياً؛ فالخشية مقرونة بالعلم والمعرفة: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]؛ أما الخوف فقد يكون من غير معرفة عميقة.
{مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} تعميم بعد تخصيص:
الصياغة العامة "ما أمر الله به أن يوصل" أبلغ من ذكر أفراد محددة؛ لأنها تستوعب كل صلة قد لا يتصورها الإنسان ولم تُفصل.
ختم الآية بـ{سُوءَ الْحِسَابِ}:
الختم بالخوف من الحساب توازٍ مع بداية الآية السابقة بالوفاء بالعهد؛ فكأن الصالح يعيش بين وفاء دافع وخوف من تقصيره.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
صلة الرحم حياة للأمة:
الأمة التي تصل ما أمر الله بوصله أمة متراحمة متوادة قوية؛ والقطيعة من أسباب تفتت المجتمعات وضعف الأمم.
الخوف من الحساب حافز للإحسان:
من خاف الحساب أحسن في أعماله وفتّش في نقائصه ليصلحها قبل يوم لا ينفع فيه الندم.