الآيات الأرضية والبيئية الدالة على القدرة والإنعام:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 318)مصدر غير محدد١٦/٣١٨ وابن أبي حاتم عن مجاهد وقتادة والضحاك والسدي: بعد أن ذكر آيات السماوات العلوية، عطف بذكر الآيات الأرضية السفلية فقال: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ}؛ أي بسطها ووسّعها وهيأها لمعايش العباد ومسارح دوابهم، وجعل فيها جبالاً ثوابت رواسي تميد بها لئلا تضطرب بمن عليها، وشق فيها الأنهار العذبة تسقي الحروث والأنام.
تفسير {وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ}:
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد قالا: «جعل من كل الثمرات صنفين ونوعين؛ كالحلو والحامض، والأسود والأبيض، والرطب واليابس، والذكر والأنثى؛ لتستقيم دورة الحياة وتتكامل المنافع».
تفسير {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ}:
قال ابن كثير (4/ 433)مصدر غير محدد٤/٤٣٣: «{يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ}؛ أي يغطي بظلمة الليل ضياء النهار فيذهب به، ثم يعقب الليل بضياء النهار؛ فكل منهما يطلب الآخر طلباً حثيثاً سريعاً، لا يفتران ولا يختلان، لمصالح العباد في سكونهم ومعاشهم».
الختام بالتفكر: {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}:
قال القرطبي (9/ 281)مصدر غير محدد٩/٢٨١: «خص أهل الفكر بالذكر؛ لأنهم هم الذين يستدلون بهذه الآيات المبثوثة في الأرض على توحيد صانعها وعلمه وقدرته ورحمته».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
مَدَّ
المد: البسط والتوسيع في المرأى والحركة؛ مد الشيء يمده مداً إذا بسطه وأطاله.
رَوَاسِيَ
جمع راسية، وهي الجبال الثوابت الراسخة في أعماق الأرض؛ من رسا يرسو إذا ثبت واستقر.
الإغشاء: التغطية والإلباس؛ أغشاه إياه إذا غطاه به وجعله غشاءً له.
وَهُوَ
الواو عاطفة، "هو" ضمير منفصل مبتدأ.
الَّذِي
اسم موصول خبر المبتدأ في محل رفع.
مَدَّ الْأَرْضَ
فعل ماض والفاعل مستتر والمفعول به منصوب، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
وَجَعَلَ فِيهَا
معطوف على مد، "فيها" متعلق بـ "جعل".
رَوَاسِيَ
مفعول به أول منصوب بالفتحة ومنع من الصرف لأنه على صيغة منتهى الجموع (أو نعت لموصوف محذوف تقديره: جبالاً رواسي).
وَأَنْهَارًا
معطوف على رواسي منصوب.
وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ
الواو عاطفة، "من كل" جار ومجرور في محل نصب مفعول به ثان مقدم لـ "جعل"، و"كل" مضاف و"الثمرات" مضاف إليه.
جَعَلَ فِيهَا
فعل ماض وفاعله هو، "فيها" متعلق بـ "جعل".
زَوْجَيْنِ
مفعول به أول منصوب بالياء لأنه مثنى.
اثْنَيْنِ
نعت لـ "زوجين" منصوب بالياء ملحق بالمثنى.
يُغْشِي اللَّيْلَ
فعل مضارع مرفوع والفاعل هو، "الليلَ" مفعول به أول منصوب (أو ثان).
النَّهَارَ
مفعول به ثان (أو أول) منصوب بالفتحة، والجملة في محل نصب حال.
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ
"إن" حرف ناسخ، "في ذلك" جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر إن مقدم.
لَآيَاتٍ
اللام المزحلقة، "آيات" اسم إن مؤخر منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم.
لِّقَوْمٍ
جار ومجرور نعت لـ "آيات".
يَتَفَكَّرُونَ
مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة نعت لـ "قوم".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التوازن الكوني بين الارتفاع والاستقرار:
في الآية السابقة ذكر رفع السماوات بغير عمد، وهنا ذكر مد الأرض وإرساءها بالجبال؛ ليتقابل السقف المرفوع بالقرار الممدود؛ وتكتمل منظومة السكنى الكونية للإنسان.
التناسب بين "مد الأرض" ونظام "الزوجية" و"الليل والنهار":
تتابع عجيب في النظم؛ من سعة المكان (مد الأرض والجبال والأنهار)، إلى استمرار الغذاء والحياة (زوجين اثنين من الثمار)، إلى تنظيم الزمان والحركة والراحة (يغشي الليل النهار)؛ وكلها نعم متناسقة تشهد بأن الصانع واحد أحد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
دفع شبهة تعارض "مد الأرض" مع كرويتها علمياً:
أثار بعض الملاحدة والجهلة شبهة أن قوله: {مَدَّ الْأَرْضَ} ينافي كروية الأرض العلمية ويدل على أنها مسطحة ذات حافة منتهية؛
والرد العلمي والعقلي والتفسيري الرصين:
أجمع علماء المسلمين قديماً (كابن حزم، وابن تيمية، والرازي) على كروية الأرض نقلاً وعقلاً.
أن "المد" في اللغة والقرآن إنما هو بحسب نظر الرائي ونسبية الإدراك البشري على سطح الأرض؛ فالأرض لعظم حجمها وكرويتها الضخمة يراها الإنسان في كل موضع يقف فيه ممدودة مبسوطة أمامه لا تنتهي إلى حافة ولا يسقط منها، وهذا لا يتحقق هندسياً إلا في الشكل الكروي؛ فلو كانت مربعة أو مثلثة لانتهت إلى حافة وانقطع المد! فكان قوله {مَدَّ الْأَرْضَ} من أدق البراهين على عظمة بسطها للناظرين.
الإعجاز العلمي في ثنائية الزوجية النباتية:
قوله تعالى: {وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} برهان علمي ساطع؛ فقد أثبت علم النبات الحديث أن النباتات كلها تقوم على التكاثر الزوجي (أعضاء تذكير وتأنيث: الأسدية والكرابل) حتى في النباتات وحيدة المسكن أو ثنائية المسكن، فجاء القرآن بهذه الحقيقة قبل اكتشاف المجاهر بقرون طويلة.
التوكيد بالعدد {اثْنَيْنِ} بعد {زَوْجَيْنِ}:
لبيان التقابل التام والتنوع المتناسق الذي يضمن استمرار النوع وحفظ الحياة.
استعمال التعبير بـ {يُغْشِي} بصيغة المضارع:
استعارة تصريحية أو مكنية؛ تشبه ظلمة الليل بالثوب الأسود الذي يُلقى على ضوء النهار فيغطيه تماماً، وتكرار الفعل المضارع يدل على دوام الحركة الكونية بلا توقف.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
دعوة القرآن إلى البحث العلمي والتفكر:
ختم الآية بـ {لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} يضع البحث والتفكر في علوم الطبيعة والأرض والأنهار والفلك في مرتبة العبادة الإيمانية التي تعمق اليقين بالله.
شكر نعم الأرض واستثمار خيراتها:
تذكير العباد بنعمة الجبال ومجاري الأنهار وتنوع الثمار يوجب شكر المنعم بالحفاظ على موارد الأرض وعمارتها بالعدل لا بالفساد والتخريب.