تكرار الشبهة وعمق الرد عليها:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 405)جامع البيانالطبري١٦/٤٠٥ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد: تكررت شبهة {لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ} في هذه السورة (الآية 7 والآية 27)؛ إلا أن الرد هنا أعمق: فالحجة في الآية 7 أن النبي منذر فقط، أما هنا فالرد أعمق إذ يُبيّن أن الإضلال والهداية بيد الله وأن الهداية تكون لمن أناب إلى الله لا لمن عاند.
{إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 464)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٦٤: «{مَنْ أَنَابَ}: أي من رجع إلى الله وأقبل بقلبه عليه وأخبت إليه؛ فهذا هو الذي يُهديه الله لأنه قابل للهداية طالب لها».
قال السعدي في "تيسير الكريم الرحمن" (ص457)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٥٧: «{يُضِلُّ مَن يَشَاءُ}: من كان أهلاً للإضلال بسبب استكباره وتوليه؛ {وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ}: من أقبل إليه بقلبه وتواضع وطلب الحق».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
يُضِلُّ
من ضلّ يضلّ؛ الإضلال الإلهي هو خذلان من أعرض وعناد.
مَنْ أَنَابَ
أناب إنابةً؛ رجع إلى الله وأقبل عليه بالقلب والعمل.
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا
الواو استئنافية، الجملة خبرية.
لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ
مقول القول.
قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ
قل فعل أمر، ما بعده مقول القول.
مَن يَشَاءُ
"من" موصولة مفعول به ليضل.
وَيَهْدِي إِلَيْهِ
معطوف على "يضل".
مَنْ أَنَابَ
"من" موصولة مفعول به ليهدي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
عودة الشبهة لتعميق الرد:
تكرار الشبهة في آية 27 بعد آية 7 دأبٌ قرآني في معالجة الاعتراضات؛ وكل مرة يأتي الرد أعمق وأبلغ حجةً؛ فالمرة الأولى ردت بتحديد وظيفة النبي، والثانية ترد بكشف سنة الإضلال والهداية.
إسناد الإضلال والهداية لله ردٌّ على نسبة التحكم للكفار:
الكفار يطلبون آية مخصصة بمزاجهم كأن الهداية تتحكم بها الآيات الحسية؛ والقرآن يرد: الهداية والإضلال بيد الله لا بيد اقتراح المعاندين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التوفيق بين إضلال الله ومسؤولية الإنسان:
{يُضِلُّ مَن يَشَاءُ}: الإضلال الإلهي ليس ظلماً؛ لأنه جزاء عادل على الإعراض المسبق واختيار الضلال؛ فالله لا يُضل أحداً ابتداءً؛ بل يُضل من أصرّ على الكفر وأغلق بصيرته.
{وَيَهْدِي إِلَيْهِ} ضمير الجلالة مع الفعل:
"إليه" ضمير يعود على الله؛ والتعبير بـ"يهدي إليه" يُشعر بأن الهداية وصول إلى الله ذاته، لا مجرد اتباع منهج أو طريق مجرد.
{مَنْ أَنَابَ} شرط الهداية:
اقتران الهداية بالإنابة يُقرر أن الباب مفتوح لكل من أناب، وأن الله لا يُغلق الهداية في وجه طالبها بصدق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الإنابة مفتاح الهداية:
{مَنْ أَنَابَ}: من رجع إلى الله بقلبه تائباً مخبتاً لاقاه الله بالهداية؛ فمن يجد في نفسه غفلة أو قسوة فعلاجه الرجوع إلى الله بالتوبة والإقبال.
لا يأس من الهداية لأحد:
{وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ}: وعد إلهي بلا استثناء لمن يُنيب؛ فلا ييأس أحد من هداية قريب أو صاحب ضلّ، بل يُكثر الدعاء ويُحسن البيان.