{دَعْوَةُ الْحَقِّ} والمقصود بها:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 359)جامع البيانالطبري١٦/٣٥٩ وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد والضحاك: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ}: لله وحده تصح العبادة والدعاء ويتحقق بها الاستجابة؛ فالدعاء الحق هو الذي يُوجَّه إلى الله الحق لا إلى الأصنام التي لا تنفع ولا تضر.
تفسير مثل {كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 445)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٤٥: «هذا مثل ضربه الله لمن يدعو الأصنام؛ كرجل عطشان مات عطشاً بسط كفيه إلى الماء من بعيد ليبلغه، والماء لا يأتيه وحده ولا يعقل فيمشي نحوه، فهو هالك لا محالة؛ فكذلك من يعبد الصنم الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يعقل: لا يستجيب له أبداً وهو هالك».
{وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ}:
قال السعدي في "تيسير الكريم الرحمن" (ص447)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٤٧: «أي إلا في خسار وتيه وضياع؛ فدعاؤهم آلهتهم لا يزيدهم إلا بُعداً عن الحق وخسراناً في الدنيا والآخرة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
دَعْوَةُ الْحَقِّ
الدعوة مصدر من دعا؛ والمضاف إليه "الحق" يحتمل أن يكون المدعو هو الحق (الله) أو أن الدعوة نفسها حق لا باطل فيها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من بيان تسبيح الكون إلى حقيقة الدعاء:
بعد أن بيّن الله أن الرعد والملائكة يسبحون له وحده، جاء بيان أن الدعاء الحق لا يكون إلا له وحده؛ فكما أن التسبيح الكوني يتوجه لله، ينبغي أن يتوجه دعاء الإنسان لله أيضاً.
المثل العجيب في اليد الباسطة:
المثل القرآني في {كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ} من أبلغ أمثلة القرآن في التصوير؛ يجعل عبادة الأصنام كهيئة هالك يمد يديه للماء من بعيد دون أن يتحرك نحوه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
هل يصح التوسل بالأولياء وطلب الشفاعة منهم عند الله؟:
الآية صريحة: {لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ}؛ فالدعاء بمعنى العبادة والطلب المستقل لا يحل إلا لله؛ أما التوسل بالأعمال الصالحة وبدعاء الأحياء الصالحين الحاضرين فمسألة تفصيلية محلها كتب العقيدة؛ أما دعاء الأموات واستغاثتهم فقد نفته الآية من خلال نفي الاستجابة من دون الله.
التشبيه التمثيلي {كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ}:
من أرقى أنواع التشبيه وأبعثها على التأمل؛ يصور حال عابد الأصنام في صورة حسية يدركها كل عقل وإن كانت في غاية الدقة والعمق الدلالي.
{وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} ختام قاطع:
الجملة الختامية تُغلق الباب على أي احتمال للنفع من دعاء غير الله؛ والحصر بـ"إلا" وتقديم الخبر الظرفي "في ضلال" يفيد الاختصاص والقطع.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعاء عبادة لا يصح إلا لله:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ» (رواه أبو داود والترمذي)؛ فمن صرف الدعاء لغير الله فقد أشرك؛ وأعظم ما يفتح أبواب الاستجابة: إخلاص القلب وتوجهه لله وحده.
لا يأس في الدعاء لله:
في مقابل عقم دعاء الأصنام وضلاله، دعاء الله لا يضيع: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ» (رواه الإمام أحمد).