أسلوب الحجاج بالمنطق:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 370)جامع البيانالطبري١٦/٣٧٠ عن قتادة والضحاك ومجاهد: يأمر الله نبيه أن يحتج على المشركين بسؤال لازم لا مفر منه: {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}؟ وقد كانوا يقرون في فطرتهم بأن الله ربهم وخالقهم؛ فيلزمهم من ذلك أن يفردوه بالعبادة ولا يتخذوا معه أولياء.
{هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 450)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٥٠: «مثل ضربه الله للكافر والمؤمن؛ فالكافر أعمى عن الحق لا يبصر، والمؤمن بصير نافذ البصيرة؛ ومثل الظلمات والنور: الكفر والإيمان؛ فكما لا يستوي الأعمى والبصير فكذلك لا يستوي الكافر والمؤمن».
{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}:
قال السعدي في "تيسير الكريم الرحمن" (ص449)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٤٩: «{خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}: لا خالق سواه؛ والأصنام مخلوقة لا تخلق؛ {الْوَاحِدُ}: المتفرد بالإلهية والربوبية لا شريك له؛ {الْقَهَّارُ}: الغالب كل شيء بقدرته وسلطانه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَفَاتَّخَذْتُم
الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، "اتخذتم" فعل وفاعل.
الْقَهَّارُ
صيغة مبالغة من قهر يقهر؛ القاهر الغالب الذي لا يُعجزه شيء.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الحوار المباشر بأسلوب {قُل}:
تكررت {قُل} أربع مرات في هذه الآية؛ وهو أسلوب مواجهة حجاجية مباشرة؛ يكشف منهج القرآن في إلزام المخاطب بإجابة تُفحمه وتقيم عليه الحجة بمنطق فطرته.
تضافر المثلين في الرد على الشرك:
{هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ}: مثلان يتكاملان؛ المثل الأول من حال الإنسان الشخصي، والمثل الثاني من عالم الطبيعة؛ لتقرير حقيقة واحدة: لا تساوي ممكناً بين الحق والباطل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
التقريع العقلي للمشركين بالقياس الفطري:
الآية تقيم على المشركين حجة من تصورهم الذاتي: يقرون أن الله ربهم وخالقهم ومع ذلك يتخذون أولياء من دونه؛ فهذا تناقض صارخ يُلزمهم بالرجوع إلى التوحيد.
المقابلة بين {الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ} و{الظُّلُمَاتِ وَالنُّورُ}:
الطباق في المثلين يجعل الفرق بين الإيمان والكفر حسياً مدركاً بالفطرة؛ لأن الطباق الحسي أقوى في البرهان من الاستدلال المجرد.
{الْقَهَّارُ} في مقابلة {أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ}:
ختم الآية بـ"القهار" في مقابلة ذكر الأولياء العاجزين في بدايتها تناسب بلاغي رائع؛ فالعاجز لا يستحق العبادة والقاهر لكل شيء هو المستحق لها وحده.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
منهج الحوار العقلي في الدعوة:
تعليم القرآن لمنهج {قُل} يُرسم منهجاً دعوياً: اسأل المخاطب عما يُقر به فطرياً، ثم ألزمه بما يقتضيه إقراره؛ وهذا أبلغ من الخطاب الاتهامي.
الثقة بأن الحق يُفحم حين يُعرض بوضوح:
النور والظلام لا يستويان؛ وكذلك الحق والباطل إذا عُرض كلٌّ منهما واضحاً أمام العقل السليم أدرك الفرق بفطرته.