السجود الطوعي والكُرهي:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 365)جامع البيانالطبري١٦/٣٦٥ وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد والضحاك والحسن: {طَوْعًا}: المؤمنون يسجدون لله اختياراً وإرادة؛ {وَكَرْهًا}: الكافرون يسجدون له إكراهاً؛ إما بالقهر في الدنيا كالإذلال والتسخير، وإما يوم القيامة حين يسجد كل خلقه من الأولين والآخرين كرهاً وذلاً.
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 447)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٤٧: «أي لا يخرج عن ملكه وقهره أحد؛ فالمؤمن يسجد طائعاً، والكافر ذليل مقهور في الدنيا والآخرة وإن جحد».
{وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ}:
قال السعدي في "تيسير الكريم الرحمن" (ص448)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٤٨: «الظلال تمتد وتقصر مع حركة الشمس؛ وهذا المد والقصر نوع من السجود الخضوعي لله؛ فكأن الظلال تنحني وتمتد في طرفي النهار: الغداة والعشية، خضوعاً وتسبيحاً».
مفعول مطلق لفعل محذوف أو حال بمعنى طائعين وكارهين.
وَظِلَالُهُم
الواو عاطفة، "ظلال" معطوف على "من" أو مبتدأ خبره الجار الآتي.
بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ
متعلق بيسجد (أو بمحذوف خبر للظلال).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التصاعد في إثبات الانقياد الكوني:
بعد تسبيح الرعد والملائكة (آية 13)، وبعد إثبات أن الدعاء الحق لله (آية 14)، جاءت هذه الآية لتثبت أن السجود الحقيقي لله من جميع الكائنات طوعاً وكرهاً؛ فحتى المشركون منقادون لله في جوهر وجودهم وإن جحدوا بألسنتهم.
{وَظِلَالُهُم} توسع في معنى السجود:
ذكر الظلال مع السجود توسع بديع؛ فالجسد الذي يسجد يسجد ظله أيضاً؛ فكأن الله يقول: ليس الجسد فحسب بل حتى ظل الكافر يسجد لله!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
كيف يسجد الكافر لله وهو يرفض الإيمان؟:
السجود درجات: سجود العبادة الاختيارية للمؤمن، وسجود الانقياد القهري لجميع الخلق؛ فالكافر خاضع لسنن الله في الكون: يُمرض ويُشفى، يُرزق ويُحرم، يموت ويُبعث؛ كل ذلك انقياد وخضوع لقدرة الله وإن أنكر بلسانه.
تقديم الجار ومجرور {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ} للقصر والاختصاص:
تقديم "لله" على "يسجد" يفيد الحصر؛ أي السجود الحقيقي المستحق لا يكون إلا لله؛ فأي سجود لغيره باطل مردود.
{وَظِلَالُهُم} التصوير الفني للانقياد:
تصوير الظلال وهي تمتد وتنحني طرفي النهار في هيئة سجود للمتأمل في الطبيعة، من أجمل ما في القرآن من استثمار الطبيعة لبناء المعنى الإيماني.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
السجود نعمة يجب شكرها:
أن يسجد المؤمن لله طوعاً هو تشريف له وتمييز يستوجب الشكر؛ فالمؤمن يختار السجود عن معرفة وإرادة بينما يُكرَه عليه الكافر في الآخرة.
آية السجدة الأولى في السورة:
هذه الآية {وَظِلَالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ۩} آية سجدة تلاوة؛ ويُستحب فيها السجود شكراً لله وانتساباً إلى التسبيح الكوني.