تحية الملائكة لأهل الجنة:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 397)جامع البيانالطبري١٦/٣٩٧ وابن أبي حاتم عن قتادة والحسن ومجاهد والضحاك: تقول الملائكة لأهل الجنة حين تدخل عليهم مُبشِّرة: {سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ}؛ أي السلامة والأمن التام لكم بسبب صبركم على الطاعة وعن المعصية وعلى البلاء في الحياة الدنيا؛ فهذا الصبر هو الذي أهّلكم لهذا المنزل الكريم.
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 461)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٦١: «قالوا: سلام عليكم بسبب صبركم؛ أي ثوابكم الذي استحققتم به الجنة هو صبركم في الدنيا».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
سَلَامٌ
مصدر من سلم؛ التهنئة والبشرى بالأمن التام.
بِمَا صَبَرْتُمْ
الباء للسببية؛ أي بسبب صبركم في الدنيا.
فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ
الفاء للتعقيب، "نعم" فعل المدح، "عقبى الدار" فاعله.
سَلَامٌ
مبتدأ مرفوع، وتنكيره للتعظيم.
عَلَيْكُم
جار ومجرور خبر المبتدأ.
بِمَا صَبَرْتُمْ
"ما" مصدرية، والمصدر المؤول متعلق بمحذوف حال أو بـ"سلام".
فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ
جملة مدح معترضة أو استئنافية، والمخصوص بالمدح محذوف تقديره: الجنة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ختام سياق أولي الألباب بالسلام والمدح:
ختمت الآيات من 19 إلى 24 التي وصفت أولي الألباب بأجمل ختام: تحية الملائكة التي تجمع السلام والشهادة على الصبر ومدح العقبى؛ وهو ختام يحرّك القلوب ويُشوّق النفوس.
تكرار {عُقْبَى الدَّارِ}:
ذُكرت {عُقْبَى الدَّارِ} في آية 22 ثم في نهاية آية 24؛ وهو تصريع بديع يُحكم بناء الفقرة ويُذكّر بما كان في بدايتها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
ربط الجزاء بالصبر وحده دون سائر الصفات:
قد يُتساءل: لماذا اقتصرت التحية على الصبر وقد وردت صفات كثيرة في الآيات السابقة؟
الجواب: لأن الصبر هو ما يُلزم الإنسان تكلفاً ومشقة في الدنيا، وعليه تقوم بقية الصفات؛ فأفردوه بالذكر تشريفاً له وتنبيهاً على أنه الجامع للفضائل كلها.
تنكير {سَلَامٌ} للتعظيم والتكثير:
"سلام" نكرة تدل على سلام عظيم مطلق لا حدود له ولا نقص فيه؛ وهو أبلغ من "السلام عليكم" المعرفة.
{فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} تقييم إلهي جامع:
"نعم" فعل مدح بالغ؛ والتقييم الإلهي للجنة بـ"نعم العقبى" أعلى شهادة وأجل تزكية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الصبر هو ثمن الجنة وعملتها:
{سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ}: يُعلن للمؤمنين في كل الأزمنة أن كل لحظة صبر على طاعة الله أو عن معصية ستُحيّيك الملائكة عليها في الجنة.
التشويق للجنة بتصوير لحظة التهنئة:
صورة الملائكة تدخل من كل باب تُسلّم وتُبشّر هي من أجمل الصور القرآنية التي تُحرّك الشوق وتُديم الأمل في تحمّل المشاق.