سياق نزول الآية وشبهة الكفار:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 417)جامع البيانالطبري١٦/٤١٧ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد وابن إسحاق: قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: سيّر لنا جبال مكة ووسّع لنا أرضها وابعث لنا آباءنا الموتى؛ فنزلت هذه الآية بياناً أن لو كان قرآن ما يُسيّر به الجبال ويُقطع به الأرض ويُكلّم به الأموات لكان هذا القرآن أولى بذلك من كل كتاب؛ لكن الله لم يشأ ذلك لحكمة بالغة.
{بَل لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 468)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٦٨: «أي الأمر كله بيد الله؛ يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد؛ ولو شاء لأجاب طلباتهم، لكن حكمته اقتضت أن لا يُجيب التعنت».
{أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا}:
قال السعدي في "تيسير الكريم الرحمن" (ص460)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٦٠: «{يَيْأَسِ}: بمعنى يعلم ويتيقن في لغة هوازن؛ أي: أفلم يعلم المؤمنون علماً يقينياً أن الله لو شاء لهدى الناس جميعاً؟ فلماذا يحزنون على عدم إيمان المعرضين وييأسون من ذلك؟».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
سُيِّرَتْ
من سيّر يُسيّر؛ جُعلت تسير وتتحرك.
قُطِّعَتْ
من قطّع يقطّع؛ شُقّت وفُرّقت قطعاً.
يَيْأَسِ
في لغة بعض القبائل بمعنى يعلم ويتيقن، كقول الشاعر: أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني: ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم؟
قَارِعَةٌ
الداهية الشديدة التي تقرع وتضرب.
الْمِيعَادَ
الموعد المحدد الذي لا يتأخر ولا يتقدم.
وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا
"لو" شرطية، "أن" وما بعدها في محل رفع فاعل لفعل محذوف.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
رد على الاقتراحات التعنتية بحجة بالغة:
الآية ترد على مقترحاتهم بنقطتين: أولاً أن هذا القرآن لو كان شيء يُفعل به ذلك لكان هو، وثانياً أن الله يملك الأمر كله ومنه مشيئة الهداية والإضلال.
الختام بوعد الله بالنقمة من الكفار:
{وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم... قَارِعَةٌ}: وعد إلهي بأن الكفار لن يسلموا من القوارع حتى يأتي الوعد الإلهي بالفتح ويوم القيامة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
لماذا لم يُجب الله اقتراح تسيير الجبال وإحياء الموتى؟:
لأن المعجزة المقترحة لو جاءت ولم يؤمنوا استأصلهم الله كما فعل بثمود؛ ولأن القرآن في ذاته كافٍ دليلاً لمن يطلب الحق بصدق؛ ولأن الحكمة الإلهية اقتضت بقاءهم فرصة لخروج مؤمنين من أصلابهم.
الشرط الامتناعي {وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا}:
أسلوب الشرط الامتناعي يُقرر أن ذلك لم يكن وأن عدمه مقصود بالحكمة الإلهية.
{بَل} للإضراب الانتقالي:
"بل" تُلغي ما قبلها وتُثبت ما بعدها؛ فكأنها تقول: دعوا الجدل في الاقتراحات وردّوا إلى الحقيقة الكبرى: {لِّلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
لا يأس الداعية من هداية الخلق:
{أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا}: تعليم إلهي للمؤمن بأن يضع الهداية في يد الله لا في يده؛ فوظيفته البلاغ والمشيئة لله.
الوعد الإلهي بالعدل من الكافرين:
{وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم... قَارِعَةٌ}: بشرى للمؤمنين المستضعفين أن الكفار لن يفلتوا من عدل الله.