هذا المثل من أعظم أمثال القرآن:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 451)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٥١: «ضرب الله في هذه الآية مثلاً عجيباً للحق والباطل: فالماء الذي ينزل من السماء هو الحق والعلم والهدى؛ والأودية التي تسيل هي القلوب تتفاوت في سعتها وقدرتها على حمل العلم؛ والزبد الرابي على وجه السيل هو الباطل يعلو مؤقتاً ثم يذهب ويتلاشى».
{وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ}:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 375)مصدر غير محدد١٦/٣٧٥: يعني الذهب والفضة والنحاس والحديد إذا أوقدت عليها النار ابتغاء تصفيتها وسبك الحلية والمتاع؛ يعلو عليها الخبث والزبد في بداية الصهر ثم يذهب وتبقى المادة النافعة.
{فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ}:
قال السعدي في "تيسير الكريم الرحمن" (ص450)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٥٠: «الماء الصافي الذي ينتفع به الناس والمعدن المصفى من خبثه يمكث وينتفع به الناس؛ كذلك الحق يمكث ويثبت ويشع وينتفع به الناس وإن علا الباطل مؤقتاً».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أَوْدِيَةٌ
جمع واد؛ المجرى الذي تسيل فيه مياه الأمطار.
بِقَدَرِهَا
بمقدارها وقدرتها على الاحتمال؛ فكل واد يسيل بحسب سعته وعمقه.
زَبَدًا رَّابِيًا
الزبد: الرغوة والخبث الطافي على وجه السيل؛ الرابي: المرتفع المتعالي على السطح.
جُفَاءً
بُعداً وتلاشياً؛ يقال: ذهب جفاءً أي طُرح ورُمي واندثر.
أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً
فعل وفاعل مستتر ومفعول به.
فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ
الفاء للتعقيب، "أودية" فاعل.
بِقَدَرِهَا
جار ومجرور حال.
فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا
فعل وفاعل ومفعول به ونعت.
وَمِمَّا يُوقِدُونَ
"من" ابتدائية، "ما" موصولة، والجار خبر مقدم.
زَبَدٌ مِّثْلُهُ
مبتدأ مؤخر، "مثله" نعت.
كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ
الكاف للتشبيه، "الله" فاعل، "الحق والباطل" مفعول به.
فَأَمَّا الزَّبَدُ
أداة تفصيل وتوزيع، "الزبد" مبتدأ.
فَيَذْهَبُ جُفَاءً
الفاء رابطة، "جفاءً" حال أو مفعول مطلق.
وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ
"ما" موصولة مبتدأ، "فيمكث" الخبر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الارتباط بمثلي الآية السابقة:
بعد مثلي الأعمى والبصير، والظلمات والنور (آية 16)، جاء هذا المثل ليُعمق نفس المعنى لكن من زاوية الثبات والزوال؛ فالحق ثابت كالماء والمعدن النافع، والباطل زائل كالزبد والخبث.
المثل المزدوج: الماء والمعدن:
جمع المثل بين الماء والمعادن في آن واحد ليُقرر أن سنة الله واحدة في كل مادة: النافع يبقى والزائل يذهب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
كيف يعلو الباطل أحياناً ويُظهر قوته؟:
{فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا}: الزبد يرتفع ويعلو مؤقتاً؛ فكذلك الباطل قد يعلو في مراحل التاريخ ويبدو قوياً، لكن مصيره الزوال والجفاء؛ أما الحق فهو الباقي الثابت وإن تأخر انتصاره.
التشبيه التمثيلي المركّب:
يجمع هذا المثل بين منظرين حسيين متكاملين: مشهد الأودية تسيل بالسيل والزبد، ومشهد الأتون وصهر المعادن وخروج الخبث؛ وهذا التنويع في وجه الشبه يُقوّي البرهان.
{كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ} ختام تعليمي:
تكرر الختام مرتين في الآية؛ مرة عند بيان المثل ومرة عند إجماله؛ للتنبيه على أهمية التدبر في أمثال القرآن وأنها منهج إلهي لإيصال الحق إلى العقول.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين بنصر الحق في نهاية المطاف:
{فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ}: بشرى عظيمة لكل من حمل الحق في زمن يعلو فيه الباطل؛ فإن الزبد لا يملك البقاء.
نماذج القرآن في ضرب الأمثال منهج تعليمي:
القرآن لا يكتفي بتقرير الحقائق بل يجسّدها في صور حسية لتثبت في الذاكرة؛ ومن وظيفة الداعية أن يُحسن ضرب الأمثال الموضحة على منهج القرآن.