العلم بحق القرآن والعمى عنه:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 385)جامع البيانالطبري١٦/٣٨٥ عن قتادة والضحاك وابن إسحاق: بعد أن ضرب الله مثل الحق والباطل بالماء والزبد والمعدن والخبث، فرّق بين الناظر بعين العقل الذي يعلم أن ما أُنزل على النبي هو الحق البيّن، وبين المعرض الأعمى عن هذا الحق، فلا يستوون؛ {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}: أي إنما ينتفع بالتدبر والتأمل أصحاب العقول السليمة.
{أُولُو الْأَلْبَابِ} وصفهم في الآيات التالية:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 456)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٥٦: «لما ذكر الله في الآيات السابقة الدليل العقلي الباهر، أشار إلى أن من ينتفع بهذه الأدلة هم أولو الألباب: أصحاب العقول الصافية الخالصة من الهوى والعناد؛ ثم أخذ يصفهم في الآيات التالية بصفات جليلة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
أُنزِلَ
البناء للمجهول؛ لأن المقام يقتضي التركيز على المُنزَل لا على فعل الإنزال.
الْحَقُّ
نائب فاعل مرفوع لـ"أنزل"، أو خبر أنّ على جعلها ناسخة.
أَعْمَىٰ
مجازي لا حسي؛ العمى هنا عمى البصيرة عن إدراك الحق.
أُولُو الْأَلْبَابِ
جمع ذي لب؛ واللب: اللباب والعقل الخالص من شوائب الهوى.
أَفَمَن
الهمزة للاستفهام الإنكاري، الفاء عاطفة، "من" شرطية أو موصولة في محل رفع مبتدأ.
يَعْلَمُ أَنَّمَا
"يعلم" خبر المبتدأ أو صلة الموصول.
أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ
جملة في محل رفع خبر أنّ.
كَمَن هُوَ أَعْمَىٰ
الكاف للتشبيه في محل نصب حال أو خبر المبتدأ "من".
إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ
"إنما" للقصر، "يتذكر" مضارع مرفوع.
أُولُو الْأَلْبَابِ
فاعل يتذكر مرفوع بالواو لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من المثل إلى التطبيق:
بعد مثل الحق والباطل (آية 17)، وبعد بيان جزاء المستجيبين والرافضين (آية 18)، جاءت هذه الآية تطبيقاً فورياً للتفريق: الذين اهتدوا بأدلة القرآن هم كالبصير، والمعرضون هم كالأعمى.
البداية بـ{إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}:
هذه الجملة مدخل لما يلي من وصف أولي الألباب في الآيات من 20 إلى 24؛ فهي كالعنوان أو المقدمة التي تفتح الباب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
ردّ على من قال إن الإيمان مجرد تقليد:
الآية تُثبت أن الإيمان الحق يقوم على العلم: {أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ}؛ فالمؤمن يعلم بالدليل والبرهان أن القرآن حق؛ وليس إيمانه تقليداً أعمى؛ وإن كان التقليد الصحيح لأهل العلم ليس مذموماً في أصله.
الاستفهام الإنكاري {أَفَمَن يَعْلَمُ... كَمَن هُوَ أَعْمَىٰ}:
يُقرر الاستفهام المفترض إيجابية الجواب بصيغة النفي؛ أي: لا يستويان قطعاً؛ وهو أبلغ من قول: لا يستوي العالم والأعمى.
{أُولُو الْأَلْبَابِ} لقب شرف في القرآن:
وردت هذه اللفظة ستة عشر مرة في القرآن الكريم؛ وكل مرة تأتي في سياق مدح والثناء على طائفة ممتازة تستحق التكريم بصفة العقل الخالص.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوة إلى تحكيم العقل في قبول الوحي:
القرآن لا يطلب التسليم الأعمى؛ بل يدعو إلى التأمل والتدبر والتعقل؛ وأدلته لا تحتاج إلى غير عقل سليم يعمل في فضاء خالٍ من الهوى.
طلب لقب {أُولُو الْأَلْبَابِ}:
ينبغي لكل مؤمن أن يسعى لأن يكون من أولي الألباب الذين يتذكرون وينتفعون بالتذكرة؛ وذلك بتنقية القلب من الهوى وتحكيم العقل في ضوء الوحي.