{صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ}:
أخرج ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (16/ 393)جامع البيانالطبري١٦/٣٩٣ وابن أبي حاتم عن ابن عباس وقتادة والحسن البصري: صبروا على أداء الطاعات وعن المعاصي وعلى المصائب والبلايا؛ طلباً لرضا الله وثوابه، لا ابتغاء حمد الناس أو مدحهم.
{وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 459)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٥٩: «أي يدفعون الإساءة بالإحسان؛ فإذا أساء إليهم أحد قابلوه بالعفو والصفح والإكرام؛ {أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ}: أي حسن العاقبة وخير المآل في الدار الآخرة وهو الجنة».
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن البصري في قوله {وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ}: «يمحون السيئة بالتوبة والاستغفار وكثرة الحسنات».
{عُقْبَى الدَّارِ}:
قال السعدي في "تيسير الكريم الرحمن" (ص454)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٥٤: «العقبى: الغاية والمصير الأخير؛ أي أن المصير الطيب والعاقبة المحمودة في دار الآخرة محصّلة لهم بتحقيقهم هذه الصفات».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
ابْتِغَاءَ
مصدر من ابتغى يبتغي؛ الطلب والسعي بجد.
وَجْهِ رَبِّهِمْ
المراد به الإخلاص لله وطلب رضاه؛ وهو من المتشابه في الصفات يُمرّ على ظاهره مع تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين.
يَدْرَءُونَ
من درأ يدرأ درءاً؛ يدفع ويرد.
عُقْبَى الدَّارِ
عقبى كل شيء آخره ومصيره؛ والدار: دار الآخرة.
وَالَّذِينَ صَبَرُوا
معطوف على "الذين يوفون"، موصولة مبتدأ.
ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ
مفعول لأجله منصوب.
وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ
معطوف، "الصلاة" مفعول به.
وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ
معطوف، "مما" جار ومجرور متعلق بـ"أنفقوا".
سِرًّا وَعَلَانِيَةً
مفعول مطلق لمحذوف أو حال.
وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ
"يدرءون" صلة للموصول أو معطوف، "بالحسنة" جار ومجرور متعلق بـ"يدرءون"، "السيئة" مفعول به.
أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ
مبتدأ وجملة "لهم عقبى الدار" خبره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
أشمل آية في صفات أولي الألباب:
جمعت هذه الآية أربع صفات عملية متكاملة: الصبر (صفة القلب)، وإقامة الصلاة (صلة بالله)، والإنفاق (صلة بالخلق)، ودرء السيئة بالحسنة (أعلى مراتب التعامل مع الأذى)؛ وهذه الصفات تغطي كل مساحات السلوك الإنساني.
الختم بـ{عُقْبَى الدَّارِ}:
بعد سرد الصفات ختم بالجزاء في جملة اسمية مؤكدة: {أُولَٰئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ}؛ وهو مناسب لأن الآيات التالية ستفصّل هذه العقبى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
{وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ} ومحاكمة مفهوم القوة:
رد السيئة بالإحسان ليس ضعفاً بل هو أعلى مراتب القوة؛ وهو يُنتج في الآخر التحول والندم بدل أن يُنتج التمادي والتصعيد.
{سِرًّا وَعَلَانِيَةً} تعميم للإنفاق:
الجمع بين السر والعلانية في الإنفاق يُقرر أن الفضيلة ليست مربوطة بحال دون حال؛ وسر الإنفاق أفضل في التطوع، والعلانية أفضل في الفريضة لإشاعة الخير.
المقابلة في {يَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ}:
طباق خفي بين "الحسنة" و"السيئة" والفعل "يدرءون" بينهما يُصور عملية التحويل: السيئة تدخل فتُقابل بالحسنة فتُدفع وتُدرأ.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الصبر أصل الفضائل كلها:
بدأت الآية بالصبر لأنه أصل كل فضيلة؛ فبغير الصبر لا تكمل الصلاة ولا يُستمر على الإنفاق ولا يُدرأ الأذى.
درء السيئة بالحسنة منهاج نبوي:
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» (رواه الترمذي).