الدلائل الكونية الكبرى على عظمة الخالق وطلاقة قدرته:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 311)مصدر غير محدد١٦/٣١١ وابن أبي حاتم عن عبد الله بن عباس، ومجاهد، وقتادة، والحسن، والسدي في قوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا}:
القول الأول (قول الجمهور المحققين):
أن السماوات مرفوعة بغير عمد أصلاً، وأنتم ترونها عياناً خالية من العمد والقوائم التي تسندها؛ فـ {تَرَوْنَهَا} جملة مستأنفة أو حالية مؤكدة لنفي العمد؛ أي رفعها بقدرته التامة وأمسكها بمشيئته من غير حاجة إلى دعائم ولا أركان، كقوله تعالى: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [الحج: 65]، وهذا قول قتادة ومجاهد والحسن والضحاك.
القول الثاني:
أن لها عمداً ولكنكم لا ترونها؛ أي رفعت بعمد غير مرئية؛ وهذا مروي عن ابن عباس ومجاهد في رواية؛ وقيل: هي قوى الجاذبية والتجاذب الكوني الهائلة التي خلقها الله في الفضاء فأمسكت الأجرام السماوية في مداراتها دون تصادم.
تفسير الاستواء على العرش على مذهب السلف الصالح:
قال الإمام ابن كثير (4/ 432)مصدر غير محدد٤/٤٣٢: «{ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ}؛ قد تقدم الكلام على هذه الآية الكريمة في سورة الأعراف، ومسلك السلف الصالح فيها: إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه، ولا تعطيل ولا تمثيل؛ فالله تعالى استوى على عرشه استواءً يليق بجلاله وعظمته، وعرشه محيط بالسماوات والأرض، وهو الغني عن العرش وما دونه».
تسخير الشمس والقمر وجريانهما لأجل مسمى:
قال السعدي في "تيسير الكريم الرحمن" (ص: 408)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٠٨: «سخرهما لمنافع العباد، ولمواقيت السنين والحساب، والإنارة، والزروع والثمار؛ وكل واحد منهما يجري في فلكه الخاص إلى يوم القيامة بانقضاء الأجل المسمى المضروب له في علم الله، فيكوّر الله الشمس ويخسف القمر عند خراب العالم».
غاية التفصيل والتدبير: {لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ}:
أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة: «يدبر أمر ملكه، ويفصل آياته الكونية والقرآنية؛ لكي توقنوا بالبعث والنشور بعد الموت؛ فإن من قدر على خلق السماوات العظام بغير عمد وتسخير الشمس والقمر وتدبير أمر هذا الملكوت، لقادر على إعادة الأجساد بعد فنائها من باب أولى».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
عَمَدٍ
جمع عِماد أو عَمود؛ وهو ما يُقام عليه البناء ويُسند به السقف لئلا يسقط.
سَخَّرَ
التسخير: التذليل والانقياد التام للأمر؛ سخر الشيء إذا جعله منقاداً طائعاً لما كُلف به لا يتمرد.
لِأَجَلٍ مُّسَمًّى
الأجل: الوقت المحدد المضروب لنهاية الشيء؛ ومسمى: مقدر معلوم عند الله وهو يوم القيامة وانفطار السماوات.
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
التدبير: النظر في عواقب الأمور وتصريفها بحكمة وإتقان ووضع كل شيء في موضعه؛ من دُبُر الأمر.
اللَّهُ
اسم الجلالة مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
الَّذِي
اسم موصول مبني في محل رفع خبر المبتدأ (أو بدل/ نعت والخبر يدبر الأمر).
رَفَعَ السَّمَاوَاتِ
"رفع" فعل ماض والفاعل مستتر يعود على الموصول، "السماوات" مفعول به منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
بِغَيْرِ
جار ومجرور في محل نصب حال من السماوات (أي رفعها حال كونها مجردة عن العمد)، و"غير" مضاف.
عَمَدٍ
مضاف إليه مجرور بالكسرة.
تَرَوْنَهَا
فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والهاء مفعول به، والجملة في محل نصب نعت لـ "عمد" (أي بعمد غير مرئية)، أو مستأنفة مؤكدة لنفي العمد (أي ترونها كذلك خالية من العمد).
ثُمَّ اسْتَوَىٰ
"ثم" عاطفة، "استوى" فعل ماض مبني على الفتح المقدر والفاعل مستتر.
عَلَى الْعَرْشِ
متعلق بـ "استوى".
وَسَخَّرَ
معطوف على استوى، وفاعله مستتر.
الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
مفعول به منصوب ومعطوفه.
كُلٌّ
مبتدأ مرفوع بالضمة، والتنوين تنوين عوض عن المضاف إليه المحذوف، تقديره: كل واحد منهما.
يَجْرِي
فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة والفاعل مستتر يعود على كل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ.
لِأَجَلٍ مُّسَمًّى
اللام حرف جر بمعنى إلى أو للعلة، "أجل" مجرور، "مسمى" نعت مجرور بكسرة مقدرة.
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ
جملة فعلية في محل رفع خبر ثان للمبتدأ (أو حال)، "يدبر" مضارع وفاعله هو، "الأمر" مفعول به منصوب.
يُفَصِّلُ الْآيَاتِ
جملة معطوفة على يدبر، "يفصل" مضارع، "الآيات" مفعول به منصوب بالكسرة.
لَعَلَّكُم
حرف ترجٍّ ونصب من أخوات إن، والكاف اسمها والميم للجمع.
بِلِقَاءِ
جار ومجرور متعلق بـ "توقنون" قُدّم للاهتمام، و"لقاء" مضاف.
رَبِّكُمْ
مضاف إليه مجرور والكاف مضاف إليه.
تُوقِنُونَ
فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر لعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من الوحي إلى البراهين الكونية القاهرة:
بعد أن قرر في الآية الأولى أن القرآن حق: {وَالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ}، ساق البراهين الكونية العظمى التي تشهد بصدق هذا المنزل؛ فالإله الذي رفع هذا السقف السماوي الهائل بلا عمد تلمس، وسخر هذه الأجرام المشتعلة بدقة مذهلة، هو الذي أنزل هذا الكتاب، وصنعهما واحد متصف بالإتقان المطلق.
الربط السببي بين التدبير واليقين بالمعاد:
ختم الآية بـ {لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} يبين العلة الغائية من إظهار الآيات الكونية؛ فالكون ليس عبثاً مسدوداً، بل هو تدبير حكيم يسير نحو أجل مسمى وميقات حساب، فمن دبر هذا العالم العظيم لا بد أن يجمع الخلائق ليوم لا ريب فيه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة عجز الإعادة والبعث بعد الموت:
أعظم حجج منكري البعث قولهم: كيف نعود بعد أن نصير تراباً وعظاماً نخرة؟ وترد هذه الآية بقياس الأولى العقلي القطعي: فخلق السماوات بغير عمد وتسخير الشمس والقمر أعظم بآلاف المرات من خلق الإنسان الضعيف؛ قال تعالى: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [غافر: 57]؛ فالقادر على الأصل الأعظم قادر على الفرع الأيسر بلا ريب.
التوافق العلمي مع قوانين الجاذبية والفلك:
تعبير القرآن بـ {بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا}، و{كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى} يمثل إعجازاً علمياً مبهراً؛ فالأجرام السماوية تسبح في مدارات دقيقة محكومة بقوانين التجاذب والكتل الخفية عن الأعين، وتتحرك الشمس في مسار محدد نحو مستقرها لأجل مقدر حتى ينفد وقودها النووي عند قيام الساعة؛ وهذا التوافق الدقيق ينطق بصدق القرآن.
التنكير في {أَجَلٍ مُّسَمًّى}:
للتهويل وبيان عظمة النهاية المقدرة لهذا النظام الكوني المتماسك.
صيغة المضارع في {يُدَبِّرُ} و{يُفَصِّلُ}:
لإفادة التجدد والاستمرار الدائم؛ فتدبير الله للكون ليس حدثاً وقع وانتهى في الماضي، بل هو قيومية دائمة لا تغفل لحظة واحدة عن حفظ كل ذرة ومجرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استحضار عظمة الله في الكون يورث الخشية:
التفكر في عظمة رفع السماوات وتسخير الأجرام الكونية يملأ القلب هيبة وتذللاً لجلال الله وخشيته؛ فلا يستكبر عبد أمام خالق هذا الملكوت العظيم.
الاطمئنان إلى تدبير الله في الحياة:
من علم أن ربه {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ} في ملكوت السماوات والأرض، سكن قلبه واطمأنت نفسه إلى تدبير الله له في رزقه وصحته ومصائبه، وفوض أمره كله إلى الحكيم الخبير.