موقف أهل الكتاب المنصفين من نزول القرآن:
أخرج ابن جرير الطبري (16/ 440)مصدر غير محدد١٦/٤٤٠ وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد وابن جريج: {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ}: يعني مؤمني أهل الكتاب الذين تمسكوا بالتوراة والإنجيل بإنصاف كعبد الله بن سلام والنجاشي وأصحابه؛ {يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ}: لما يجدون فيه من التصديق لكتبهم والبشارة بنبوته وموافقة التوحيد الخالص.
{وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ}:
قال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" (4/ 474)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٧٤: «الأحزاب هم الطوائف المتحزبة على الكفر من مشركي العرب واليهود والنصارى المعاندين، ينكرون بعض ما أنزل إليك كذكر الرحمن، أو نسخ بعض الأحكام التي اعتادوها».
الأمر بالثبات على التوحيد والدعوة:
قال السعدي في "تيسير الكريم الرحمن" (ص463)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٤٦٣: «أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يصدع بجوهر دينه ولا يلتفت لإنكار من أنكر: {قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ}؛ وهذا هو أصل دين الرسل كلهم، ثم إعلان الرجوع إليه وحده: {إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الْأَحْزَابِ
جمع حِزب؛ وهو الجماعة التي تجتمع على أمر ورأي واحد، وتُطلق على طوائف الكفر لتجمعها على عداء الحق.
فعل ماض مبني على السكون، و"نا" فاعل، والهاء مفعول به أول، والميم للجمع.
الْكِتَابَ
مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة، وجملة "آتيناهم" صلة الموصول.
يَفْرَحُونَ
فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ.
بِمَا
جار ومجرور متعلق بـ"يفرحون".
أُنزِلَ إِلَيْكَ
فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل مستتر، والجار والمجرور متعلق به، والجملة صلة "ما".
وَمِنَ الْأَحْزَابِ
الواو عاطفة، شبه جملة جار ومجرور في محل رفع خبر مقدم.
مَن
اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ مؤخر.
يُنكِرُ بَعْضَهُ
فعل مضارع وفاعله مستتر ومفعوله ومضاف إليه، والجملة صلة "من".
قُلْ
فعل أمر فاعله مستتر تقديره أنت.
إِنَّمَا
كافة ومكفوفة أداة قصر وحصر.
أُمِرْتُ
فعل ماض مبني للمجهول، والتاء نائب فاعل، والجملة مقول القول.
أَنْ أَعْبُدَ
"أن" مصدرية، "أعبد" مضارع منصوب بأن وفاعله مستتر تقديره أنا، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به أو بحذف حرف الجر (بأن أعبد).
اللَّهَ
لفظ الجلالة مفعول به منصوب.
وَلَا أُشْرِكَ بِهِ
معطوف على "أعبد"، منصوب بالفتحة، وفاعله مستتر والجار والمجرور متعلق به.
إِلَيْهِ
متعلق بـ"أدعو" مقدم للاختصاص والقصر.
أَدْعُو
مضارع مرفوع بضمة مقدرة وفاعله مستتر.
وَإِلَيْهِ
معطوف، متعلق بمحذوف خبر مقدم.
مَآبِ
مبتدأ مؤخر مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تصنيف المواقف البشرية من الوحي:
تقسم الآية المتلقين إلى فئتين: فئة منصفة آتت العلم ففرحت بمطابقة الوحي للحق، وفئة متعصبة متحزبة أنكرت عناداً؛ ثم أرشدت النبي صلى الله عليه وسلم إلى المخرج الرباني عند تباين الأهواء: الثبات على الأصل والاعتصام بالتوكل والدعوة.
المقابلة بين الفرح والإنكار:
المقابلة بين {يَفْرَحُونَ} و{يُنكِرُ} تُجسد الانقسام العقائدي والنفسي تجاه نور الرسالة، وتسلّي قلب النبي بأنه ليس كل من يسمع يكذب، بل هناك قلوب نقية تستبشر بنور القرآن.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دفع شبهة بطلان القرآن باختلاف الأحزاب عليه:
وجود من ينكر بعض القرآن ليس دليلاً على وجود خلل فيه؛ فالأحزاب تنكر لهوى وتحزب لا لبرهان علمي، وقد فرح به أهل العلم المنصفون لشهادة كتبهم له؛ واختلاف الناس حول الحق سنة بشرية لا تقدح في جوهر الحقيقة.
أسلوب القصر بـ{إِنَّمَا}:
حصر غاية الرسالة والأمر الإلهي في التوحيد ونبذ الشرك؛ لقطع الجدل البيزنطي مع الأحزاب وإعادتهم إلى النقطة المحورية.
تقديم المعمول في {إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ}:
تقديم الجار والمجرور في الموضعين يفيد الحصر والتخصيص؛ فلا دعوة إلا إلى الله، ولا مرجع ولا ملاذ إلا إليه وحده سبحانه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استقلال شخصية الداعية وتجرده:
الداعية لا يفصل دعوته على مقاس رغبات الأحزاب، بل يصدع بالتوحيد الخالص: {إِلَيْهِ أَدْعُو}، ويعلق قلبه بالرجوع الأخير إلى الله: {وَإِلَيْهِ مَآبِ} فيستعلي على تثبيط المعاندين.
فرح أهل الإنصاف بالحق أينما وجدوه:
علامة العالم الصادق وطالب الحق أن يفرح بظهور آيات الله واتساق المعارف الربانية، بخلاف صاحب الهوى الذي يُنكر لمجرد مخالفته لمذهبه أو حزبه.