أمر الله نبيه أن يعلن أنه لا يملك ضراً ولا رشداً، وأنه لن يجيره من الله أحد، وأنه ليس له إلا البلاغ؛ فقُطعت دعوى من يرفعه فوق منزلة العبودية، كما قُطعت دعوى من ينكر رسالته؛ إذ إن هذا الإعلان نفسه من أظهر دلائل صدقه.
الأمر بالترتيل مؤكداً بالمصدر: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}؛ فالمقصود إخراج الحروف على مهل مع حضور القلب وتدبر المعاني، لا سرد الألفاظ سرداً.
تفويض أمر المكذبين، وأصناف العذاب، وأهوال اليوم، والعبرة بفرعون.
الأمر بالصبر على المقال والهجر الجميل الذي لا جزع فيه ولا مقابلة بالسوء: {وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا}؛ وهو منهج المرحلة المكية حيث لا إذن بالمدافعة.
افتُتحت السورة بنداء التلطف والوصف الحالي، ثم بسبعة أوامر متتابعة على وزن واحد وروي واحد: القيام، والإنذار، وتكبير الرب، وتطهير الثياب، وهجر الرجز، وترك المنِّ الاستكثاري، والصبر لله. فهذه هي منظومة التكليف الأولى للنبوة: عقيدةٌ في القلب، وطهارةٌ في الظاهر، وبراءةٌ من الوثنية، ونزاهةٌ في الباعث، وثباتٌ على الطريق.
نموذج المكذب المستكبر: نعمةٌ مبسوطة، وجحودٌ مقابل، ومصيرٌ في سقر.
انتقل السياق من التقرير الكلي إلى نموذج حي مفصَّل: رجل خلقه الله وحيداً فرداً لا مال له ولا ولد، ثم بسط له المال الممدود والبنين الشهود والجاه الممهَّد، فقابل النعمة بالعناد. وقد أطبق المفسرون على أن المراد به الوليد بن المغيرة المخزومي؛ ذكر ذلك ابن أبي حاتم في تفسيره عن سعيد بن جبير، ونصَّ عليه الطبري وابن كثير والقرطبي عند تفسير هذه الآيات. وعُرض في الآيات (18 - 25) سُلَّم مكابرته درجةً درجةً بـ"ثم": فكَّر، فقدَّر، فنظر، فعبس، فبسر، فأدبر، فاستكبر، فنطق بالكلمة الآثمة.
أقسم الله بالقمر والليل إذ أدبر والصبح إذا أسفر على أن سقر لإحدى الكبر، نذيراً للبشر؛ ثم قرَّر قاعدة الجزاء الفردي: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}، واستثنى أصحاب اليمين، وعقد بين أهل الجنة والمجرمين حواراً كاشفاً عن أسباب الهلاك الأربعة: ترك الصلاة، ومنع الطعام عن المسكين، والخوض مع الخائضين، والتكذيب بيوم الدين.
لم يكتف الجواب بإثبات القدرة على جمع العظام، بل ارتقى إلى ما هو أدق: تسوية البنان وردّ أطرافه على هيئته الأولى: {بَلَىٰ قَادِرِينَ عَلَىٰ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ}؛ فالقادر على الدقيق أقدر على الجليل.
صورة المكذب المتبختر، والوعيد المكرر، والبرهان الختامي من النشأة الأولى.
اعترض السياق بأربع آيات توجّه النبي ﷺ إلى ترك العجلة بالقرآن، وتتكفل له بالجمع والقراءة والبيان: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ}؛ فقُرن ضمان حفظ الوحي بتقرير البعث؛ إذ الخبر لا يُوثق به إلا بعد الوثوق بسلامة الطريق الذي جاء منه.
بلوغ الروح التراقي، وطلب الراقي، ويقين الفراق، والتفاف الساق بالساق، ثم الخلاصة الجامعة: {إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ}.
العودة إلى نشأة الإنسان الأولى من نطفة ثم علقة ثم تسوية وتقدير للزوجين؛ لينتهي إلى السؤال الذي لا جواب له إلا التصديق: {أَلَيْسَ ذَٰلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ}.
افتتاح السورة بتقرير أن الإنسان مرّ عليه زمن لم يكن فيه شيئاً يُذكر؛ وهو مدخل يحطم الكبر من أساسه؛ إذ من كان أصله عدماً لا يليق به استكبار.
أعمال الأبرار وتفصيل نعيمهم.
{إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا}؛ آية واحدة موجزة قابلها في المقابل ثمانية عشر آية في نعيم الأبرار؛ وهذه القسمة نفسها رسالة في سبق الرحمة للغضب.
الوفاء بالنذر، والخوف من يوم مستطير شره، وإطعام الطعام على حبه للمسكين واليتيم والأسير، وتجريد النية لوجه الله دون طلب جزاء ولا شكور.
من الوقاية من شر اليوم، إلى النضرة والسرور، إلى الجنة والحرير، إلى الاتكاء على الأرائك، إلى انتفاء الحر والزمهرير، إلى دنو الظلال وتذليل القطوف، إلى آنية الفضة وأكواب القوارير، إلى كأس الزنجبيل وعين السلسبيل، إلى الولدان المخلدين، إلى الملك الكبير، إلى ثياب السندس والإستبرق وأساور الفضة والشراب الطهور.
الصبر لحكم الرب، وعدم طاعة آثم أو كفور، وذكر الله بكرة وأصيلاً وسجود بالليل وتسبيح طويل؛ فهو المنهاج نفسه الذي رُسم في سورة المزمل.
أقسم الله بخمس صفات جارية على موصوف مبهم — {وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا * فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا * وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا * فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا * فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا} — ثم جاء المقسم عليه في جملة واحدة موجزة قاطعة: {إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ}؛ فالقسم مبسوط والجواب موجز، وهذا من أبلغ ما يكون في تقرير الخبر.
مسلك التاريخ ({أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ * ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ})، ومسلك النفس ({أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ})، ومسلك الأرض ({أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا})؛ فمن أهلك وأنشأ ومهّد فهو على الإعادة أقدر.
برهان التاريخ وبرهان النشأة الأولى.
برهان الأرض الكفات ونعم الاستقرار والسقيا.
بعد أن استوفت السورة البرهان والمشهد والوعد والوعيد جاءت الخاتمة سؤالاً لا جواب له: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ}؛ أي إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن فأي كلام بعده يرجى أن يؤمنوا به.
عرض القرآن تسع آيات كونية ونعم حسية مشهودة وملموسة تقطع دابر الشك في قدرة الخالق: - جعل الأرض مهاداً ممهدة للاستقرار والمعاش. - نصب الجبال أوتاداً لتثبيت قشرة الأرض. - خلق الأزواج ذكوراً وإناثاً لامتداد النسل والأنس. - جعل النوم سباتاً لراحة الأجساد وسكونها. - جعل الليل لباساً ساتراً والنهار معاشاً للحركة والكسب. - بناء سبع سموات شداد محكمة البناء. - جعل الشمس سراجاً وهاجاً يفيض بالضياء والدفء والطاقة. - إنزال الماء الثجاج من السحاب المعصرات لإخراج الحبوب والنباتات والجنات الملتفة. فالذي قدر على إنشاء هذا العالم الباهر وإحياء موات الأرض بالماء، قادر بلا ريب على إحياء الأجساد البالية وبعثها للحساب.
براهين القدرة الإلهية والإنعام الكوني التساعي.
تصوير جهنم بأنها مكمن وموضع ترصد يتربص بالمجرمين، وأنهم لابثون فيها أحقاباً متطاولة لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً إلا الحميم والغساق، جزاءً وفاقاً لكفرهم واستكبارهم وكذبهم.
البرهان الكوني على القدرة على البعث والامتنان بالنعم.
عرضت السورة القصة في اثنتي عشرة آية بأسلوب البرق الخاطف: نداء بالوادي المقدس، وأمر بالذهاب إلى الطاغية، ودعوة بأرفق عبارة، وآية كبرى، ثم تكذيب وإدبار وحشر ودعوى الربوبية، ثم أخذ إلهي جامع بين نكال الدنيا والآخرة.
الطامة الكبرى وافتراق الخلق إلى فريقين.
{أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ}؛ ثم تفصيل صنع السماء برفع سمكها وتسويتها وإغطاش ليلها وإخراج ضحاها، وصنع الأرض بدحوها وإخراج مائها ومرعاها وإرساء جبالها؛ وختم ذلك بلفتة الامتنان: {مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ}.
من طغى وآثر الحياة الدنيا فمأواه الجحيم، ومن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فمأواه الجنة؛ وهو ميزان دقيق يجعل مدار النجاة على خوف المقام وجهاد الهوى.
بيان أن الداعية مبلّغ لا موكل بإجبار القلوب: {وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ}؛ فلا يحمله الحرص على إسلام الكبراء على تقديمهم على أهل الإقبال والافتقار.
تصوير يوم القيامة بأشد ما يقرع الأسماع، وعرض فرار المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لانشغاله بنفسه، ثم قسمة الوجوه قسمين لا ثالث لهما: مسفرة ضاحكة مستبشرة، وعليها غبرة ترهقها قترة.
القسم على صدق الوحي وتبرئة الرسول والملَك ثم تقرير المشيئة.
أقسم الله بالكواكب الخنّس الجواري الكنّس، وبالليل إذا أدبر، وبالصبح إذا تنفس؛ ليقرر أن هذا القرآن قول رسول كريم، أي جبريل عليه السلام، الموصوف بخمس صفات تسدّ كل منفذ للطعن: القوة، والمكانة عند ذي العرش، والطاعة في الملأ الأعلى، والأمانة على الوحي.
نفت السورة عن رسول الله ﷺ الجنون: {وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ}، وأثبتت له الرؤية اليقينية للملَك: {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ}، ونفت عنه البخل بالغيب وكتمانه: {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ}، ثم نفت عن الوحي أن يكون من إلقاء الشياطين: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ}. فهي محاكمة متكاملة لكل ما رمته به قريش.
بعد استيفاء الحجج جاء التوبيخ الحاسم: {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ}؛ استفهام يفيد التحيير والتبكيت؛ إذ لم يبق بعد هذا البيان طريق يُسلك ولا معذرة تُقبل.
ختمت السورة بأدق ما في باب القدر؛ فأثبتت للعبد مشيئة حقيقية يُناط بها التكليف: {لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ}، ثم ردّت تلك المشيئة إلى مشيئة الخالق التي لا يخرج عنها شيء: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}؛ فقطعت بذلك طريق الجبرية والقدرية معاً في آيتين متجاورتين.
قُررت الحجة بثلاثة أفعال متعاقبة بالفاء: {خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ}، ثم بجملة رابعة: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ}؛ فالبرهان مأخوذ من ذات المخاطب لا من خارجه؛ إذ لا يحتاج الإنسان في معرفة قدرة خالقه إلى أبعد من نفسه.