عرض القرآن تسع آيات كونية ونعم حسية مشهودة وملموسة تقطع دابر الشك في قدرة الخالق: - جعل الأرض مهاداً ممهدة للاستقرار والمعاش. - نصب الجبال أوتاداً لتثبيت قشرة الأرض. - خلق الأزواج ذكوراً وإناثاً لامتداد النسل والأنس. - جعل النوم سباتاً لراحة الأجساد وسكونها. - جعل الليل لباساً ساتراً والنهار معاشاً للحركة والكسب. - بناء سبع سموات شداد محكمة البناء. - جعل الشمس سراجاً وهاجاً يفيض بالضياء والدفء والطاقة. - إنزال الماء الثجاج من السحاب المعصرات لإخراج الحبوب والنباتات والجنات الملتفة. فالذي قدر على إنشاء هذا العالم الباهر وإحياء موات الأرض بالماء، قادر بلا ريب على إحياء الأجساد البالية وبعثها للحساب.
بيان أن ليوم القيامة موعداً مؤقتاً محدداً لا يتقدم ولا يتأخر: {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا}؛ وتصوير النفخ في الصور، ومجيء الخلائق أفواجاً، وانفتاح أبواب السماء، وتسيير الجبال حتى تصير سراباً.
تصوير جهنم بأنها مكمن وموضع ترصد يتربص بالمجرمين، وأنهم لابثون فيها أحقاباً متطاولة لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً إلا الحميم والغساق، جزاءً وفاقاً لكفرهم واستكبارهم وكذبهم.
تصوير مفاز المتقين بالحدائق والأعناب، والكواعب الأتراب، والكؤوس الدهاق، والنعيم الخالص من اللغو والكذاب، جزاءً وعطاءً حساباً من رب السموات والأرض الرحمن.
القسم بالملائكة على وقوع البعث، ومشهد النفختين، ورد شبهة المنكرين.
{يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ}؛ فالأولى نفخة الصعق التي ترتج لها الأرض والجبال، والثانية نفخة البعث التي تردف الأولى؛ وبينهما تنكسر قلوب المكذبين وجفاً وتخشع أبصارهم ذلاً.
البرهان الكوني على القدرة على البعث والامتنان بالنعم.
عرضت السورة القصة في اثنتي عشرة آية بأسلوب البرق الخاطف: نداء بالوادي المقدس، وأمر بالذهاب إلى الطاغية، ودعوة بأرفق عبارة، وآية كبرى، ثم تكذيب وإدبار وحشر ودعوى الربوبية، ثم أخذ إلهي جامع بين نكال الدنيا والآخرة.
من طغى وآثر الحياة الدنيا فمأواه الجحيم، ومن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فمأواه الجنة؛ وهو ميزان دقيق يجعل مدار النجاة على خوف المقام وجهاد الهوى.
تصوير يوم القيامة بأشد ما يقرع الأسماع، وعرض فرار المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لانشغاله بنفسه، ثم قسمة الوجوه قسمين لا ثالث لهما: مسفرة ضاحكة مستبشرة، وعليها غبرة ترهقها قترة.
عرضت السورة اثنتي عشرة علامة مصدَّرة بـ {إِذَا} في نسق واحد لا يتخلله فاصل ولا استئناف؛ من تكوير الشمس وانكدار النجوم وتسيير الجبال، إلى تعطيل العشار وحشر الوحوش وتسجير البحار، إلى تزويج النفوس وسؤال الموءودة ونشر الصحف وكشط السماء وتسعير الجحيم وإزلاف الجنة. وهذا النسق المتصاعد يهيئ النفس لجواب واحد قصير خاطف: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ}.
مدار المقطع الأول أن كل ما كان مستوراً يومئذ ينكشف؛ فالصحف تُنشر بعد طيّها، والسماء تُكشط عن الأبصار، والموءودة تُسأل بعد سكوت الأرض عن دمها، والنفوس تُقرن بأشباهها بعد اختلاطها في الدنيا. فالقيامة يوم انكشاف قبل أن تكون يوم عذاب.
انفطار السماء، ثم انتثار الكواكب، ثم تفجير البحار، ثم بعثرة القبور؛ فالنظر ينحدر من سقف الكون إلى زينته إلى ماء الأرض إلى بطنها؛ حتى ينتهي إلى الموضع الذي فيه الإنسان نفسه. وهذا الترتيب النازل يهيئ لجواب الشرط الذي هو محور السورة: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ}.
مآل الفريقين وتعظيم يوم الجزاء وتفريد الملك فيه.
بعد الاستفهام يأتي الردع والتصريح: {كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ}؛ فليست العلة جهلاً بالخالق ولا شبهة في الخلق، بل تكذيب بيوم الجزاء؛ فمن أسقط الحساب من حسابه هان عليه كل شيء.
سخرية المجرمين في الدنيا وانقلابها عليهم في الآخرة.
{كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ}؛ فقُدّم حرمان النظر إلى وجهه الكريم على ذكر صليّ الجحيم، إيذاناً بأن أعظم ما يفوت الكافر هو ربه لا ناره.
ختمت السورة بمشهدين متقابلين: مشهد المجرمين في الدنيا يضحكون من المؤمنين ويتغامزون وينقلبون إلى أهليهم فَكِهين ويرمونهم بالضلال؛ ومشهد يوم القيامة حيث {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ}، وتُختم بالتهكم القارع: {هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}.
عرض الفريقين بأسلوب التفصيل بعد الإجمال: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ} فحسابه يسير وانقلابه إلى أهله مسرور، {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ} فدعواه الثبور ومصيره السعير.
تعليل مصير الفريق الثاني بعلتين متلازمتين: بطر السرور الدنيوي المنقطع عن ذكر الآخرة {إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا}، وسوء الظن بالبعث والرجوع {إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ}؛ فالغفلة والظن الفاسد هما مدخل الهلاك.
افتتحت السورة بالقسم بالسماء ذات المنازل المحكمة، وباليوم الموعود، وبشاهد ومشهود؛ فجمع القسم بين آية الإحكام في الكون، وموعد الفصل في الآخرة، وحضور الشهادة على العمل؛ وهذه الثلاثة هي أركان الجواب الذي بُنيت عليه السورة.
{قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ}؛ فحكت السورة صورة قوم شقّوا في الأرض شقاً وأضرموا فيه ناراً وأحرقوا المؤمنين لا لجرم إلا الإيمان، وقعدوا على حافة الأخدود يشهدون العذاب ويتلذذون بمنظره؛ فكان هذا أشنع ما يُتصور من العدوان، وأدلّ ما يُساق في تسلية المستضعفين.
حكم الفريقين في الآخرة، وعرض باب التوبة قبل فوات الأوان.
{بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ}؛ فبعد أن ثبّت أهله بيّن أن الكتاب نفسه في حرز لا يُنال؛ فالمحفوظ في اللوح لا يبطله أخدود ولا نار ولا جند.
جواب القسم الأول هو المقصد الأول: {إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ}؛ فلا نفس مُهملة ولا عمل ضائع، والحفظ يشمل حفظ الوجود والرعاية، وحفظ الأعمال بالإحصاء والكتابة؛ وهذا الأصل هو الذي تنبني عليه بقية السورة، إذ لا معنى للحساب دون إحصاء، ولا معنى للإحصاء دون بعث.
أمر الإنسان أن ينظر في أصل تكوينه: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ}، فإذا تبين أنه خُلق من ماء مهين مندفق، لزمه أن يُقرّ بأن الذي أنشأه من ذلك الماء قادر على إعادته بعد بلاه: {إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ}؛ وهو برهان حسي لا يحتاج فيه المرء إلى غير نفسه.
دليل النشأة الأولى على البعث، وميقات الرجع، وسقوط النصير.
تفرّدت السورة بتحديد ميقات الرجع بأنه {يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ}؛ فالمدار يومئذ على ما استكنّ في القلوب من إيمان أو نفاق، وإخلاص أو رياء، لا على ما تزيّن به الناس في الدنيا؛ ويترتب عليه سقوط كل ملجأ ذاتي أو خارجي: {فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ}.
ختمت السورة بأمر النبي ﷺ بالإمهال الرفيق: {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا}؛ وهو أمر يجمع بين ضبط النفس عن الاستعجال، والوعيد الخفي بأن المهلة قصيرة، وأن ما بعدها حساب من الحافظ الذي أحصى.
كشف علة الإعراض، وتقرير خيرية الآخرة، وتأصيل ذلك في الصحف الأولى.
{سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَىٰ * وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى}؛ فالخشية مفتاح الانتفاع، والشقاء سبب الإعراض؛ ثم بُيّن مآل كل فريق: نار كبرى لا موت فيها ولا حياة، وفلاح لمن تزكّى وذكر اسم ربه فصلّى.
{إِنَّ هَٰذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَىٰ * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ}؛ فما قررته السورة من التزكية وترجيح الآخرة أصل ثابت في كل وحي، لا دعوى مستحدثة ولا شريعة طارئة.
وُصف أهل النار بـ{عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ}، ووُصف أهل الجنة بـ{لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ}؛ فالفريقان عاملان ساعيان، وإنما افترقا في وجهة السعي وصحة القصد؛ فقررت السورة أن مناط النجاة ليس مجرد العمل بل صواب المقصد.
لما كان أصل التكذيب هو استبعاد الإعادة، صرفت السورة النظر إلى أربع مخلوقات يراها البدوي في صحرائه كل يوم: الإبل والسماء والجبال والأرض؛ فالحجة مأخوذة من دائرة المخاطب لا من خارجها.
{إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم} تقديم للجار والمجرور يفيد القصر؛ فلا مرجع لهم إلى غيره ولا حساب عليهم عند سواه؛ وفيه تسلية للرسول ﷺ وتهديد للمعرضين معاً.
مشهد القيامة والحساب والحسرة والعذاب.
باشر العقر واحد وأُسند إلى الجميع {فَعَقَرُوهَا}؛ لأنهم رضوا وتابعوا وأغروا؛ فتقرر أن الرضا بالمنكر يُلحق الراضي بالفاعل في الحكم والجزاء.
الإنذار بالنار وتعيين أهلها.
{وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ}؛ فبعد أن جعل البخل والاستغناء رأس الطريق الثاني، كشف عن حقيقة ما استغنى به: عرَض لا يصحب صاحبه لحظة السقوط في القبر أو في النار؛ فبطل أن يكون المال معياراً أو ملجأً.
{فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ}؛ فقيّد الصلي المطلق بالأشقى المكذب المتولي؛ وهو تقييد يفتح باب الرجاء لأهل التوحيد ويسد باب الاتكال على مجرد الدعوى.