تصوير سعي المكذبين في إطفاء نور الله بأفواههم؛ وهي صورة تجمع بين العجز والسخف، ثم إعلان الوعد القاطع: {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ}، ثم تقرير الغاية من البعثة: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}.
التسبيح الكوني، والامتنان بالبعثة في الأميين ووظائفها الأربع، وامتداد الرسالة، وتقرير أن ذلك محض فضل.
تقرير أن الله بعث في قوم لا كتاب لهم رسولاً منهم، وأسند إليه أربع وظائف: تلاوة الآيات، وتزكية النفوس، وتعليم الكتاب، وتعليم الحكمة؛ وبيان ما كانوا عليه قبلها من ضلال مبين.
قوله {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} تقرير لعموم الرسالة في الزمان والمكان، وأن هذه البعثة ليست وقفاً على الجيل الأول ولا على العرب وحدهم.
افتتحت السورة بتسبيح ما في السماوات والأرض، وحصر الملك والحمد في الله، وعموم قدرته؛ فقُرّرت أصول العقيدة الثلاثة: التنزيه، والملك، والحمد، ليُبنى عليها ما بعدها من التكليف والجزاء.
الاعتبار بالمكذبين، وإبطال إنكار البعث، وتصوير يوم التغابن.
{خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ}، {يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}؛ فمن خلق بالحق لا يترك خلقه سدى، ومن أحاط علماً لا يعجزه إحصاء الأعمال.
{قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ}، ثم {ذَٰلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ} مع بيان مآل الفريقين: تكفير السيئات وجنات خالدة للمؤمن، وخلود في النار للمكذب.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}؛ وهي الآية الجامعة لمسؤولية رب الأسرة عمن تحت يده.
{تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا}، مع تصوير مشهد المؤمنين ونورهم يسعى بين أيديهم ودعائهم بإتمامه.
جزاء الخاشين بالغيب، وإحاطة العلم، وتذليل الأرض.
انفردت السورة بمشهد فريد في القرآن: حوارٌ مسموع بين خزنة جهنم والأفواج الملقاة فيها، ينتهي بإقرار المكذبين على أنفسهم أن الرسل جاءتهم فكذبوا، وأنهم عطّلوا سمعهم وعقلهم؛ فكان اعترافهم حجةً عليهم لا شفيعاً لهم.
قابل الله بين اعتراف أهل السعير حين لا ينفع الاعتراف، وبين خشية المؤمن ربَّه في خلوته حيث لا يراه أحد؛ فجعل جزاء الأولى السحق والبعد، وجزاء الثانية {مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}.
مَثَل أصحاب الجنة عبرةً للمكذبين.
قصة مطولة في سبع عشرة آية تحكي قوماً منعوا حق المسكين من ثمر حديقتهم فأُهلك زرعهم في ليلة، ثم لاموا أنفسهم وأنابوا؛ وفيها إنذار لقريش أن نعمتهم لا تعصمهم، وأن النعمة إذا قُطع عنها حق الله ذهبت في لحظة.
صورة قاصمة لمن استكبر عن السجود في الدنيا وهو قادر، فيُدعى إليه يوم القيامة فلا يستطيع؛ فيكون الحرمان من السجود عين العقوبة على تركه.
ساقت السورة مصارع أربع طوائف: ثمود أُهلكت بالطاغية، وعاد أُهلكت بريح صرصر عاتية سُخّرت عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوماً، وفرعون ومن معه، والمؤتفكات قرى قوم لوط. والمقصد أن الذي أهلك هؤلاء في الدنيا بأسباب مشهودة قادر على البعث والجزاء في الآخرة؛ فالإهلاك بعث مصغّر، والدنيا معرض من معارض قدرته.
{فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} تكسر المقياس البشري للزمن؛ فما يعده المستعجل تأخيراً ليس عند الله إلا لحظة، وما يعدّه المؤمن انتظاراً طويلاً ليس في ميزان الآخرة إلا يسيراً. ثم صُرّح بهذا المعنى في {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا}.
مقطع {يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ} إلى {ثُمَّ يُنجِيهِ} يرسم انهيار الكون ثم انهيار الروابط الإنسانية؛ فلا يسأل حميم حميماً مع أنه يبصره، وتتحول أعز الأنساب — البنون والزوجة والأخ والعشيرة — إلى فدية يودّ المجرم لو دفعها ونجا. وهو تصوير لإفلاس كل ما اعتمد عليه الإنسان في الدنيا.
مقطع {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا} إلى {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} يقطع دابر الطمع الكاذب في الجنة بغير إيمان، ويذكّرهم بأصل خلقهم من ماء مهين، ثم يقسم بربّ المشارق والمغارب على القدرة على استبدالهم بخير منهم، وهو أشد ما يُقرع به المستكبر: أنه ليس بضروري في ملك الله.
{يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ}؛ فالذين كانوا يهرعون في الدنيا إلى أنصابهم مسرعين مختارين، يُساقون يوم القيامة مسرعين مقهورين، خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة. فالجزاء من جنس العمل حتى في هيئة المشي.
ربطت السورة بين الاستغفار وبين إرسال المطر مدراراً، وإمداد الأموال والبنين، وإنشاء الجنات والأنهار؛ فقررت أن للذنوب أثراً في قحط الأرض وضيق المعاش كما لها أثر في عذاب الآخرة.
ساقت السورة سلسلة من البراهين المتدرجة من الأقرب إلى الأبعد ثم العود إلى الأقرب: خلق الإنسان أطواراً، ثم السماوات السبع طباقاً، ثم القمر نوراً والشمس سراجاً، ثم الإنبات من الأرض، ثم البعث منها، ثم بسط الأرض وتيسير سبلها؛ فتكامل البرهان من النفس إلى الأفق إلى المعاد إلى المعاش.
ختمت السورة بدعائه لنفسه ووالديه ولمن دخل بيته مؤمناً وللمؤمنين والمؤمنات إلى يوم القيامة؛ فكان آخر ما نطق به في السورة استغفاراً لا لعناً، وسعةَ رحمةٍ لا ضيقَ صدر.
افتُتحت السورة بنداء التلطف والوصف الحالي، ثم بسبعة أوامر متتابعة على وزن واحد وروي واحد: القيام، والإنذار، وتكبير الرب، وتطهير الثياب، وهجر الرجز، وترك المنِّ الاستكثاري، والصبر لله. فهذه هي منظومة التكليف الأولى للنبوة: عقيدةٌ في القلب، وطهارةٌ في الظاهر، وبراءةٌ من الوثنية، ونزاهةٌ في الباعث، وثباتٌ على الطريق.
القسم على عِظَم الإنذار، ورهانة النفس، وحوار أهل الجنة مع المجرمين.
أقسم الله بالقمر والليل إذ أدبر والصبح إذا أسفر على أن سقر لإحدى الكبر، نذيراً للبشر؛ ثم قرَّر قاعدة الجزاء الفردي: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}، واستثنى أصحاب اليمين، وعقد بين أهل الجنة والمجرمين حواراً كاشفاً عن أسباب الهلاك الأربعة: ترك الصلاة، ومنع الطعام عن المسكين، والخوض مع الخائضين، والتكذيب بيوم الدين.
أقسم الله بيوم القيامة وبالنفس اللوامة؛ فجمع بين أعظم شاهد خارجي (اليوم الموعود) وأعظم شاهد داخلي (الضمير الذي يلوم صاحبه)؛ فالمقسَم به من جنس المقسَم عليه، والدليل على البعث قائم في الأفق وفي النفس معاً.
القسم على البعث وردّ استبعاد المنكرين وكشف باعثهم.
انتقلت السورة من مناقشة الشبهة إلى تعرية الشهوة: {بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ}، ثم صرّحت: {كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ}؛ فبيّنت أن جذر التكذيب إرادة الانفلات من الحساب لا قصور في الدليل.
اعترض السياق بأربع آيات توجّه النبي ﷺ إلى ترك العجلة بالقرآن، وتتكفل له بالجمع والقراءة والبيان: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ}؛ فقُرن ضمان حفظ الوحي بتقرير البعث؛ إذ الخبر لا يُوثق به إلا بعد الوثوق بسلامة الطريق الذي جاء منه.
وجوه ناضرة إلى ربها ناظرة، ووجوه باسرة تتوقع الداهية القاصمة؛ فأعلى نعيم أهل الجنة النظر إلى وجه الله، وأشد ألم أهل النار الحجاب والقنوط.
بلوغ الروح التراقي، وطلب الراقي، ويقين الفراق، والتفاف الساق بالساق، ثم الخلاصة الجامعة: {إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ}.
جزاء الكافرين مجملاً.
{إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا}؛ آية واحدة موجزة قابلها في المقابل ثمانية عشر آية في نعيم الأبرار؛ وهذه القسمة نفسها رسالة في سبق الرحمة للغضب.
الوفاء بالنذر، والخوف من يوم مستطير شره، وإطعام الطعام على حبه للمسكين واليتيم والأسير، وتجريد النية لوجه الله دون طلب جزاء ولا شكور.
من الوقاية من شر اليوم، إلى النضرة والسرور، إلى الجنة والحرير، إلى الاتكاء على الأرائك، إلى انتفاء الحر والزمهرير، إلى دنو الظلال وتذليل القطوف، إلى آنية الفضة وأكواب القوارير، إلى كأس الزنجبيل وعين السلسبيل، إلى الولدان المخلدين، إلى الملك الكبير، إلى ثياب السندس والإستبرق وأساور الفضة والشراب الطهور.
أمر تهكمي بالانطلاق إلى ما كانوا يكذبون به، ثم إلى ظل من دخان ذي ثلاث شعب لا يظل ولا يقي، ثم وصف شرر النار بأنه كالقصر وكأنه جمالات صفر؛ فالمشهد يتدرج من السَّوق إلى الظل الكاذب إلى الشرر المتطاير.
جزاء المتقين، وتهديد المجرمين، وخاتمة الحجة.
افتتحت السورة بأسلوب الاستفهام التهويلي المنكر لتساؤل المشركين وتشكيكهم في البعث والقرآن، ثم تعقيب ذلك بالردع والتهديد المتكرر: {كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ}، إيذاناً بأن الحقيقة ستنكشف لهم عياناً حين يفوت الأوان.