ذَٰلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ ۖ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآبًا
ذَٰلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ ۖ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآبًا
بعد استيفاء المشاهد جاءت الخلاصة والدعوة: {ذَٰلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ ۖ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآبًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية من سورة النبأ، أن المعنى: ذلك اليوم الذي وصفت لكم صفته هو اليوم الكائن لا شك فيه؛ فمن شاء اتخذ إلى ربه مرجعاً بالتوبة والعمل الصالح. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المعنى: أي الكائن لا محالة؛ فمن شاء فليتخذ إلى ربه مرجعاً وطريقاً يسلكها توصله إليه. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن هذا كقوله تعالى: {فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}؛ وهو تخيير في صورته، وتهديد ووعيد في حقيقته. وقرر السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآية، أن هذا من رحمته سبحانه؛ إذ بعد أن أقام الحجة وبيّن المصيرين ترك للعبد أن يختار طريقه بعلم لا بجهل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية عقدة السورة التي انتظم فيها طرفاها؛ فقد افتُتحت السورة بالتساؤل عن {النَّبَإِ الْعَظِيمِ} الذي {هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ}، وجاءت هذه الآية لتقطع ذلك الاختلاف بحكم فاصل: {ذَٰلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ}. فبين المطلع والخاتمة تناسب تام: سؤال في الأول، وجواب قاطع في الآخر. ومن أدق ما فيها أن لفظ {مَآبًا} تكرر في السورة مرتين: مرة للطاغين {لِّلطَّاغِينَ مَآبًا}، ومرة هنا في المآب إلى الرب؛ فوضعت السورة أمام العبد مآبين، وجعلت المشيئة له في اختيار أيهما. وهذا الترتيب هو ثمرة السورة كلها؛ إذ لم تُعرض المشاهد للإخبار المجرد بل للحمل على الاختيار الرشيد.