أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا
ينتقل السياق من الردع إلى إقامة البرهان، فيبدأ بأقرب المشاهدات إلى الإنسان وهي الأرض التي يطؤها: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السادسة من سورة النبأ، أن المعنى: ألم نجعل لكم الأرض وطاءً تفترشونها وتمتهدونها كما يُمهَّد الفراش للنائم؛ وأصل المهاد من المَهْد وهو التوطئة والتذليل. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المراد أنها ممهدة مذللة للخلائق قارة ساكنة ثابتة. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن هذا استئناف لبيان قدرة الله على البعث؛ فمن مهّد الأرض للأحياء قادر على أن يخرج منها الأموات. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، إلى أن الاستفهام تقريري يستدعي إقرارهم بما لا يستطيعون جحده؛ لأنه واقع تحت حسّهم ومشاهدتهم كل يوم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية مفتتح تسع آيات متتابعة تعرض شواهد القدرة الإلهية، وقد بدأت بالأرض لأنها أقرب المشاهد وأشدها التصاقاً بحياة الإنسان، ثم تدرج النظم منها إلى الجبال ثم إلى الأنفس ثم إلى السماء ثم إلى المطر والنبات. وهو تدرج من الأدنى إلى الأعلى، ومن الجماد إلى الحي، ومن السكون إلى الحركة. كما ارتبطت هذه الآية بالآية الأولى ارتباط الجواب بالسؤال؛ فقد تساءلوا عن البعث، فأُجيبوا بأن من مهّد الأرض قادر على نشر من فيها.