إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا
إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا
جاء الاستثناء الذي هو أشد من المستثنى منه: {إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية من سورة النبأ، أن "الحميم" هو الماء الذي انتهى حره وبلغ غايته، وأن "الغساق" ما يسيل من صديد أهل النار وقيحهم؛ ونقل عن ابن عباس وقتادة نحو ذلك، وروي عن بعضهم أنه الزمهرير البالغ في البرد. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الحميم هو الحار الذي قد انتهى حره، والغساق ما اجتمع من صديد أهل النار وعرقهم ودموعهم وجراحاتهم فهو بارد منتن لا يستطاع. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن في اجتماع الحميم والغساق جمعاً بين النقيضين في العذاب: غاية الحر وغاية البرد والنتن؛ فلا يجدون بينهما فرجة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية متممة للتي قبلها لا مستقلة عنها؛ فالجملتان معاً تصوران مشهداً واحداً: منع مطلق، ثم استثناء يزيد الحرمان حرماناً. ووجه انتظامها في السورة أن السياق كله قائم على المقابلة بين ما أنعم الله به في الدنيا وما يحرمه المكذبون في الآخرة؛ فقد ذكر في أول السورة إنزال الماء الثجاج الذي أُخرج به الحب والنبات، وجاء هنا ذكر الحميم والغساق؛ فهذا شراب أهل النار في مقابل ذلك الماء المبارك. ثم إن هذا الوصف يقابله في المقطع الرابع قوله في المتقين: {وَكَأْسًا دِهَاقًا}؛ فتمت المقابلة بين الشرابين كما تمت بين الدارين.