جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا
جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا
ختم وصف النعيم ببيان مصدره وسعته: {جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية من سورة النبأ، أن أهل التأويل اختلفوا في "حساباً"؛ فروي عن ابن عباس ومجاهد أن معناه: كافياً وافياً؛ من قولهم: "أحسبني كذا" أي كفاني؛ وروي عن آخرين أن المعنى: بحساب أعمالهم. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المعنى: أعطاهم ذلك عطاءً كافياً وافياً كثيراً. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن العرب تقول: "أعطاني فأحسبني" أي كفاني حتى قلت حسبي؛ ومنه "حسبنا الله". وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، أن الوصف بـ"حساباً" على معنى الكفاية أليق بمقام الامتنان؛ إذ الكفاية تقتضي بلوغ الغاية في العطاء.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية مقابلة صريحة لقوله في أهل النار: {جَزَاءً وِفَاقًا}؛ فوقعت الكلمة نفسها {جَزَاءً} في الموضعين، ثم اختلف الوصف: هناك "وفاق" وهنا "عطاء حساب". وفي هذا الاختلاف تقرير لأصل عظيم: أن العقوبة بالعدل المحض لا تجاوز فيها، وأن الإثابة بالفضل الزائد على قدر العمل. وهذا المعنى هو ثمرة المقطعين معاً، وهو من أبين ما تنطق به السورة من أسماء الله وصفاته. ثم إن ذكر {رَّبِّكَ} بالخطاب للنبي ﷺ فيه التفات من سياق الغيبة، وهو تمهيد للآية التالية التي تفصّل صفات هذا الرب: {رَّبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}.