وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا
وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا
ثاني الشواهد الكونية: {وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السابعة من سورة النبأ، أن المعنى: وجعلنا الجبال للأرض أوتاداً تمسكها أن تميد بأهلها وتضطرب؛ كما يُوتَّد للخباء والبيت بالأوتاد فيثبت. ونقل ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن الله جعلها أوتاداً تثبت الأرض وترسيها لتقر ولا تميد بمن عليها. وذكر البغوي في "معالم التنزيل"، عند تفسير هذه الآية، نظيرها من قوله تعالى: {وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ}. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية السابعة من السورة، أن التشبيه بالأوتاد مبني على ما يعرفه العرب من إثبات الخيام بالأوتاد؛ فهو تشبيه مأخوذ من بيئتهم مُلقٍ للمعنى في أقرب صورة إلى أذهانهم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت الجبال عقب الأرض مباشرة لتلازمهما؛ فذكر المهاد يستدعي ذكر ما يثبته، كما أن الفراش الممهد يحتاج إلى ما يمسكه من الاضطراب. وفي النظم لطيفة: أن الجبال ستُذكر مرة أخرى في هذه السورة نفسها في قوله: {وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا}؛ فالجبال التي هي أوتاد التثبيت في الدنيا هي نفسها التي تُنسف يوم القيامة؛ وفي المقابلة بين الموضعين برهان على أن الثبات الدنيوي مؤقت وأن الدوام لله وحده.