إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا
انتقل السياق انتقالاً مباغتاً من دار العذاب إلى دار النعيم: {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية من سورة النبأ، أن أهل التأويل اختلفوا في "المفاز"؛ فروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أنه الفوز والنجاة والظفر بالبغية، وروي عن بعضهم أنه المتنزه والموضع الذي يُفاز فيه. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المعنى: إن للمتقين فوزاً ونجاة ونعيماً، ثم فسّره بما بعده من الحدائق والأعناب. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن "المفاز" يصح أن يكون مصدراً ميمياً بمعنى الفوز، وأن يكون اسم مكان بمعنى موضع الفوز؛ وكلاهما صحيح، والسياق يحتملهما. وقرر السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآية، أن الفوز جامع لأمرين: النجاة من المرهوب والظفر بالمطلوب؛ وهما تمام السعادة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية على نسق الآية التي افتُتح بها مشهد العذاب: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا}؛ فتوازت الجملتان في التوكيد بـ"إن" وفي بنائهما اللفظي؛ لتتم المقابلة بين المصيرين على وجه متكافئ في الصياغة متضاد في المضمون. ومن دقة النظم أن الطاغين ذُكرت لهم الدار أولاً ثم وُصفوا، والمتقون وُصفوا أولاً ثم ذُكرت دارهم؛ إذ قال: {لِّلطَّاغِينَ مَآبًا} بعد ذكر جهنم، وقال هنا: {لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا} بتقديم الوصف. ووجهه أن أهل النار عُرّفوا بدارهم لأنها المقصودة بالتهويل، وأهل الجنة عُرّفوا بوصفهم لأن التقوى هي المقصودة بالترغيب.