وَكَأْسًا دِهَاقًا
وَكَأْسًا دِهَاقًا
تمام النعيم أن يُقرن الطعام بالشراب: {وَكَأْسًا دِهَاقًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية من سورة النبأ، أقوال أهل التأويل في "الدهاق"؛ فروي عن ابن عباس أنها الملأى، وروي عنه أيضاً أنها المتتابعة، وروي عن عكرمة أنها الصافية. وقرر الطبري أن أولى الأقوال أنها الملأى؛ لأن ذلك هو المعروف في كلام العرب. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المعنى: مملوءة متتابعة، ونقل عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة نحو ذلك. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن "الكأس" لا تسمى كأساً إلا إذا كان فيها شراب، فإذا خلت فهي قدح؛ وأن هذا مقرر عند أهل اللغة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): موقع هذه الآية من نظم السورة موقع المقابلة الصريحة لقوله في أهل النار: {إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا}. فشراب أولئك حار منتن لا يُساغ، وشراب هؤلاء ملأى صافية متتابعة. وقد جرى المقطعان على ترتيب واحد: ذكر الدار، ثم أهلها، ثم ما ينالونه من طعام وشراب، ثم صفة مجلسهم، ثم بيان أن الجزاء بحق. فالمقابلة في السورة ليست في المعاني وحدها بل في هيكل العرض ذاته؛ وهذا من أدل ما يكون على إحكام النظم ووحدة البناء.