عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ
عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ
بعد الإبهام المشوّق يأتي البيان الجليل: {عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثانية من سورة النبأ، أن أهل التأويل اختلفوا في المراد بالنبأ العظيم على أقوال: فقال قتادة وابن زيد: هو البعث بعد الموت؛ وقال مجاهد: هو القرآن؛ ورجّح الطبري أن الأولى بالصواب قول من قال إنه البعث؛ لدلالة سياق السورة كلها عليه؛ إذ عادت آياتها إلى تقرير يوم الفصل وأحوال الطاغين والمتقين. وذكر البغوي في "معالم التنزيل"، عند تفسير هذه الآية، القولين ونسب الأول إلى الجمهور. ونقل القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية الثانية، قولاً ثالثاً: أنه أمر النبي ﷺ ونبوته؛ إذ كانوا يتساءلون عنه ويختلفون فيه. وذهب ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثانية من السورة، إلى أن اللام في {النَّبَإِ} للعهد الذهني، وأن المعهود عندهم هو الخبر الذي جاءهم به القرآن من البعث والجزاء؛ فهذه الأقوال متلاقية لا متعارضة، فالقرآن هو المخبِر، والبعث هو المخبَر عنه، والنبي ﷺ هو المبلِّغ.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت الآية بدلاً مبيناً للمبهم في الآية الأولى، فانتقل النظم من التشويق إلى الكشف. ثم تلاها في الآية الثالثة وصف حالهم مع هذا النبأ ({الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ})؛ فترتب النظم على ثلاث خطوات: سؤال مبهم، فبيان معظَّم، فتشنيع على المختلفين. كما أن وصف الخبر بالعِظَم هنا تمهيد لما سيأتي في السورة من تسعة براهين كونية؛ إذ لا يقرَّر الخبر العظيم إلا ببرهان عظيم.