وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا
وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا
لما ذكر سبحانه ستر الليل وسكونه ثنّى بذكر ضده وقرينه: {وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية من سورة النبأ، أن المعنى: وجعلنا النهار وقت معاشكم؛ تنتشرون فيه لطلب أرزاقكم وتصرفكم في حوائجكم؛ ونقل نحوه عن قتادة وابن زيد. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الله جعل النهار مشرقاً منيراً ليتمكن الناس فيه من التصرف والذهاب والمجيء والاكتساب والأسفار والصناعات. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن "المعاش" ما يُعاش به، وأن النهار سُمي به تسمية للزمان باسم ما يقع فيه؛ لأن النهار نفسه ليس معاشاً وإنما هو ظرف المعاش. وذكر ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، أن اقتران هذه الآية بالتي قبلها تنبيه على أن النظام الكوني قائم على التناوب لا على الإفراد؛ وأن حكمة الخلق ظاهرة في هذا التناوب ظهورها في أصل الخلق.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية تتمة للمقابلة التي بدأت في الآيتين قبلها؛ فالنوم سبات، والليل لباس، والنهار معاش. وبهذا الترتيب اكتملت دورة الإنسان اليومية: راحة في البدن، ثم ظرف يحفظها، ثم زمن يستثمر فيه ما تجدد من قوة. والملحوظ أن السياق لم يذكر النهار مجرداً ولا الليل مجرداً، بل ذكر كلاً منهما بوظيفته لا بذاته؛ لأن مقام الاستدلال على البعث يقتضي إبراز الحكمة والتدبير لا مجرد الوجود. ثم إن في تعاقب هذين الظرفين نظير البعث في صورته الصغرى؛ فالنائم كالميت يُسلب حسه ثم يُرد إليه مع طلوع النهار؛ فمن رد الأرواح كل صباح قادر على ردها يوم النشور.