وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا
وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا
بعد ذكر جنايتهم جاء تقرير أنها محفوظة لم تضع: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية من سورة النبأ، أن المعنى: وكل شيء من أعمال العباد أحصيناه فكتبناه في كتاب فلم يفتنا منه شيء؛ ونقل عن أهل التأويل أن الإحصاء هنا الحفظ والعد. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المعنى: قد علم الله أعمال العباد كلها وكتبها عليهم وسيجزيهم على ذلك؛ إن خيراً فخير وإن شراً فشر. وقرر السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآية، أن هذا فيه تقرير كمال علم الله وإحاطته، وأنه موجب لأن يستحي العبد من ربه؛ إذ ما من فعل ولا قول إلا وهو مثبت عليه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية لتسد باب الاعتراض على العقوبة من جهة أخرى؛ فبعد أن قُرر أن الجزاء وفاق وأن سببه إنكار الحساب والتكذيب، بقي أن يُقال: ومن أين ثبتت هذه الأعمال بعد طول العهد وفناء الأجساد؟ فجاء الجواب: أنها محصاة مكتوبة لم يضع منها شيء. فتم بذلك بناء الحجة على أركانها: عمل، وإثبات للعمل، وجزاء موافق. ثم إن هذه الآية تمهد للآية التالية التي هي فذلكة المقطع كله: {فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا}؛ فبعد ثبوت الجناية بالبينة صح إنفاذ الحكم.