وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا
وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا
بعد ذكر بناء السماء ذكر ما عُلّق فيها من أعظم آية مشهودة: {وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا}. أجمع أهل التأويل ــ كما نقل الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية من سورة النبأ ــ على أن المراد بالسراج الوهاج الشمس؛ ونقل عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أن "الوهاج" هو المتوقد المضيء. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الشمس منيرة على جميع العالم يتوهج ضوءها لأهل الأرض جميعاً. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن في الوهج معنى الحرارة مع الضوء؛ فجمعت اللفظة بين المنفعتين اللتين لا قوام للحياة بدونهما. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، أن التعبير بـ"السراج" استعارة مبنية على تشبيه الشمس بمصباح عُلّق في سقف هذا البناء؛ فتمّ بذلك انتظام الصورة مع ما قبلها من ذكر البناء.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): ترتيب النعم في هذا السياق جارٍ على منهج محكم؛ فقد ذُكر الليل واللباس، ثم النهار والمعاش، ثم بناء السماء، ثم هذا السراج المعلق فيها. والسراج هو علة النهار وسبب ضيائه؛ فكان ذكره بعد ذكر النهار من باب ذكر السبب عقب المسبب لزيادة التقرير. كما أن ذكره بعد بناء السماء يجعل الصورة متكاملة: بناء محكم، وفيه مصباح متوقد؛ وهي صورة البيت المهيأ لساكنيه. وفي هذا الترتيب تلميح لطيف إلى أن الكون مهيأ للإنسان تهيئة المضيف لضيفه؛ فمن أكرمه هذا الإكرام حقيق ألا يكذّب بلقائه.