يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا
يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا
بعد تقرير الميقات جاء بيان مبدئه ومفتتحه: {يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية من سورة النبأ، أن المراد النفخة التي يقوم عندها الناس لرب العالمين، وأنهم يأتون جماعات متتابعة أمة بعد أمة. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الصور قرن ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام، ونقل عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أن {أَفْوَاجًا} أي زمراً وجماعات. وقد ثبت في بيان الصور ما رواه الترمذي وأبو داود في السنن من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن أعرابياً سأل النبي ﷺ عن الصور فقال: «قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ»؛ وحسّنه الترمذي. وروى الترمذي في كتاب صفة القيامة من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «كَيْفَ أَنْعَمُ وَقَدِ الْتَقَمَ صَاحِبُ الْقَرْنِ الْقَرْنَ، وَحَنَى جَبْهَتَهُ، وَأَصْغَى سَمْعَهُ، يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْمَرَ أَنْ يَنْفُخَ فَيَنْفُخَ». وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن هذه النفخة هي نفخة البعث لا نفخة الصعق؛ بدليل قوله بعدها: {فَتَأْتُونَ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية أول ما فُصّل به إجمال الميقات المذكور قبلها؛ فبعد أن قيل {كَانَ مِيقَاتًا} سئلت النفس: متى؟ وكيف؟ فجاء الجواب: {يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ}. ثم إن السياق ينتقل بعدها إلى مشهدين كونيين آخرين: فتح السماء وتسيير الجبال؛ فترتب المشاهد ترتيباً متصاعداً: نفخة تُقيم الخلق، ثم سماء تنفتح، ثم جبال تسير. ومن دقة النظم أن ابتُدئ بما يخص المكلفين ({فَتَأْتُونَ}) قبل ذكر ما يخص الكون؛ لأن الخطاب موجه إليهم والمقصود إيقاظهم لا مجرد وصف الحدث. ثم إن قوله {فَتَأْتُونَ} بالخطاب المباشر يجعل السامع طرفاً في المشهد لا متفرجاً عليه.