وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا
وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا
ينتقل البرهان من الآفاق إلى الأنفس: {وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثامنة من سورة النبأ، أن المعنى: وخلقناكم أصنافاً ذكراناً وإناثاً؛ ونقل عن مجاهد وقتادة نحوه. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المراد ذكراً وأنثى ليستأنس كل منهما بالآخر ويكون النسل. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، وجهاً آخر: أن المراد الأصناف والألوان والطبائع المختلفة؛ فمنكم الطويل والقصير والأبيض والأسود؛ والأول أظهر وعليه الجمهور. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثامنة من السورة، أن الاستدلال بخلق الأزواج على البعث ظاهر؛ لأن الذي أنشأ النوع من نطفة قادر على إعادته بعد بلاه، وهذا استدلال بالنشأة الأولى على النشأة الآخرة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بعد أن عرض عليهم شاهدين من الآفاق (الأرض والجبال) التفت بهم إلى أنفسهم؛ لأن الإنسان أقرب شيء إلى الإنسان، والحجة به ألزم. ثم إن ذكر الأزواج مهّد لما بعده من ذكر النوم والليل والنهار؛ إذ هذه كلها من مقومات حياة الزوجين واستقرار البيت. وفي النظم أيضاً مناسبة لأصل القضية: فالتزاوج سبب لتجدد الخلق واستمراره؛ وهو أقرب دليل حسي على أن الإحياء بعد العدم سنة جارية لا مستحيلة.