وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا
وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا
ختم الله تعالى تعداد آيات الإنعام بذكر ما هو فوق حد الضرورة: {وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية من سورة النبأ، أن المعنى: وبساتين ملتفة الشجر بعضها ببعض لكثرتها والتفاف أغصانها؛ ونقل عن ابن عباس وقتادة أن "الألفاف" الملتفة المجتمعة. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المراد بساتين من النخيل والأعناب وأصناف الثمار ملتفة متكاثفة. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، خلاف أهل اللغة في واحد "ألفاف"؛ فقيل: واحدها "لِفّ"، وقيل: "لَفيف"، وقيل: هو جمع الجمع؛ جُمعت "لِفّ" على "ألفاف". وقرر ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، أن الترقي من الحب إلى النبات إلى الجنات ترق من القوت الضروري إلى المتعة الكمالية؛ وهو مقصود في مقام الامتنان.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بهذه الآية يُختم المقطع الثاني من السورة الذي استوعب براهين القدرة؛ فقد بدأ بالأرض مهاداً وانتهى بالجنات ألفافاً. ووجه ختمه بها أن الاستدلال بلغ غايته حين ظهرت الحياة في أكمل صورها وأبهاها؛ فليس بعد بستان ملتف بالخضرة برهان أوضح على أن الموات يعود حياً. وهذا الترتيب الصاعد يهيئ النفس للانتقال المباغت الذي يأتي في الآية بعدها: {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا}؛ فبعد أن استقر في الذهن أن هذا الخالق قادر حكيم، جاءت النتيجة المطلوبة صريحة مؤكدة. فالمقطع كله مقدمة، وهذه النتيجة هي المقصودة من السورة.