جَزَاءً وِفَاقًا
جَزَاءً وِفَاقًا
عقّب سبحانه على ما تقدم من ألوان العذاب ببيان أنه عين العدل: {جَزَاءً وِفَاقًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية من سورة النبأ، أن المعنى: جوزوا بذلك جزاءً وافق أعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا؛ ونقل عن مجاهد وقتادة أن "الوفاق" بمعنى الموافقة للعمل. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المعنى: وافق العذابُ الذنبَ؛ لم يكونوا يعملون عملاً أعظم من الشرك بالله وتكذيب رسله، فلم يكن ذنبهم أعظم من العذاب. وقرر السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآية، أن الله لا يظلم أحداً مثقال ذرة، وأن ما نالهم إنما هو بموجب ما اقترفوا لا زيادة عليه. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، أن التعبير بـ"الوفاق" أدق من "المماثلة"؛ لأن الموافقة تقتضي مناسبة في الجنس والقدر معاً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية فاصلة بين تفصيل العذاب وتفصيل أسبابه؛ فقد تقدم ذكر المآب واللبث والحميم والغساق، ويأتي بعدها بيان السبب: {إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا * وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا}. فموقعها موقع الحكم بين الدعوى ودليلها؛ إذ قررت أن ما وقع بهم عدل، ثم أتت الآيتان بعدها ببيان وجه العدل. وهذا الترتيب يقطع على النفس كل اعتراض؛ فما إن يستشعر السامع شدة العذاب حتى يُقال له: هو وفاق، ثم يُبين له بماذا كان وفاقاً. وتقابل هذه الآية في المقطع الرابع قوله: {جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا}؛ فجزاء أهل النار بالعدل، وجزاء أهل الجنة بالفضل.