لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا
لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا
بعد نعيم الحس جاء نعيم المجلس وصفاء العشرة: {لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية من سورة النبأ، أن المعنى: لا يسمعون في الجنة باطلاً من القول ولا تكذيباً يكذب فيه بعضهم بعضاً؛ ونقل عن قتادة ومجاهد نحو ذلك. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الجنة ليس فيها كلام لاغٍ ساقط، ولا كذب يكذب به بعضهم على بعض؛ بل هي دار السلام وكل ما فيها سالم من النقص. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن نفي اللغو والكذب يجمع نفي فساد الكلام من جهتيه: جهة خلوه من الفائدة، وجهة مخالفته للواقع. وقرر السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآية، أن هذا من تمام النعيم؛ لأن كدر المجالس إنما يقع بهذين، فإذا ارتفعا صفا العيش.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا النفي متمماً لوصف المفاز بعد ذكر الحدائق والأعناب والأتراب والكأس؛ فبعد أن استوفى النعيم المحسوس ذكر النعيم المعنوي. ووجه ترتيبه أخيراً أن صفاء المجلس لا تُدرك قيمته إلا بعد اجتماع أسباب المتعة؛ إذ كثيراً ما تفسد اللذة بفساد الصحبة والكلام. ومن أدق ما في نظم السورة أن لفظ {كِذَّابًا} ورد فيها مرتين: مرة في وصف جناية الطاغين {وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا}، ومرة في وصف نعيم المتقين بنفيه عنهم؛ فالذي هلك أولئك به هو الذي نُزّه عنه مجلس هؤلاء؛ وهذا التقابل اللفظي المعنوي من خصائص هذه السورة.