ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ
ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ
كرر الله الردع والوعيد توكيداً وتشديداً: {ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الخامسة من سورة النبأ، أن هذا تكرير للوعيد على وجه التغليظ والتشديد؛ والعرب تكرر الكلام للتوكيد إذا أرادت المبالغة في التهديد. ونقل القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، عن جماعة من المفسرين أن التكرار للتأكيد المحض؛ وعن آخرين أن الأول وعيد بما يلقونه عند الموت وفي البرزخ، والثاني وعيد بما يلقونه يوم القيامة؛ فيكون التكرار لاختلاف الزمنين لا لمجرد التوكيد. وذكر البغوي في "معالم التنزيل"، عند تفسير هذه الآية، القولين. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الخامسة من السورة، أن دخول {ثُمَّ} أفاد أن الوعيد الثاني أشد رتبة من الأول؛ فالتراخي هنا رتبي معنوي لا زمني فحسب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء التكرار خاتمة للمقطع الأول (الآيات 1 - 5) قبل الانتقال إلى مقطع البراهين الكونية؛ فكان بمثابة الفاصلة الصوتية والمعنوية التي تُغلق باب الجدل وتفتح باب الاستدلال. ثم إن الانتقال بعده إلى {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا} فيه إشارة نظمية بديعة: لما ردعهم مرتين ولّاهم وجه الكون كله ليقرؤوا فيه جواب سؤالهم؛ فالردع قطع للمكابرة، والبرهان بناء لليقين.