وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا
وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا
يتم المشهد الكوني بذكر مصير الجبال التي جُعلت أوتاداً في أول السورة: {وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية من سورة النبأ، أن المعنى: وسُيّرت الجبال عن أماكنها فصارت هباءً منبثاً كالسراب الذي يُرى ولا حقيقة له. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أنها تُنسف وتزول عن أماكنها فتصير كالهباء المنبث، ويحسبها الرائي شيئاً وليست بشيء. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن "السراب" ما يُرى نصف النهار في الفلوات كأنه ماء وليس بماء؛ فالمعنى: أنها تصير في رأي العين شيئاً وهي في الحقيقة لا شيء. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآية، أن هذا غاية ما يبلغه الانحلال؛ إذ انتقلت الجبال من غاية الصلابة إلى غاية اللاشيئية.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): اكتملت بهذه الآية المقابلة الكبرى في السورة؛ فقد افتُتح المقطع الثاني بقوله: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا}، وجاء هنا: {وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ...* وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ...}. فالسماء التي بُنيت شداداً تُفتح، والجبال التي نُصبت أوتاداً تُسيّر؛ فانتقض كل ما استقر في وهم الإنسان أنه ثابت لا يزول. وهذا هو المقصد البلاغي من ترتيب السورة: أن تُبنى في النفس صورة الرسوخ أولاً، ثم تُهدم أمام عينيها ثانياً؛ ليكون وقع الهدم بقدر ما استقر من البناء. وبعد أن تم تصوير انهيار الكون انتقلت السورة إلى مصير أهله؛ فأعقبت ذلك بقوله: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا}.