لِّلطَّاغِينَ مَآبًا
لِّلطَّاغِينَ مَآبًا
بيّن الله تعالى لمن هذا المرصاد ومن أهله المستقرون فيه: {لِّلطَّاغِينَ مَآبًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية من سورة النبأ، أن المعنى: للذين طغوا على الله فتجاوزوا حدوده وكذبوا رسله، مرجعاً يرجعون إليه ومصيراً يصيرون إليه. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن {مَآبًا} أي منقلباً ومرجعاً ومنزلاً ومستقراً للطاغين المتمردين المخالفين للرسل. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن "الطغيان" مجاوزة الحد في العصيان، وأن الوصف هنا خرج مخرج التعليل؛ فكأن دخولهم النار معلل بطغيانهم. وقرر السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآية، أن ذكر "المآب" مشعر بأن هذا المصير مآل يعود إليه صاحبه لا عقوبة طارئة عليه؛ فكأن الطغيان في الدنيا كان سفراً وهذه هي دار العود.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية مبيّنة لإجمال الآية قبلها؛ فقد قيل: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا}، فسأل السائل: لمن؟ فأتى الجواب: {لِّلطَّاغِينَ}. وفي هذا الترتيب حكمة؛ إذ لو ذُكر أهلها ابتداءً لتوهم كل سامع أنه ليس منهم فأعرض؛ فلما ذُكرت أولاً على وجه العموم المخيف، ثم قُيّدت بأهلها، بقي في النفس أثر الخوف الأول مع بيان الطريق الموصل. ثم إن ذكر "المآب" هنا يقابله في المقطع الرابع قوله: {فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآبًا}؛ فتوازى اللفظان في السورة الواحدة ليتبين أن للعبد مآبين لا ثالث لهما: مآب إلى النار بالطغيان، ومآب إلى الرب بالإنابة.