وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا
وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا
عطف على السبب الأول سبباً ثانياً هو ثمرته الظاهرة: {وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية من سورة النبأ، أن المعنى: وكذبوا بأدلتنا وحججنا التي جاءتهم بها رسلنا تكذيباً؛ وأن "الكذّاب" مصدر من "كذّب" كما يقال: قتّل قِتّالاً. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المراد: كذبوا بحجج الله على خلقه التي أنزلها على رسله فقابلوها بالتكذيب والعناد. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن "الكذاب" هنا مصدر على وزن "فِعّال" وهو مصدر قياسي لـ"فعّل" في لغة أهل اليمن، وأنه حُكي أن هذه اللغة فاشية فيهم حتى قال بعضهم للرجل: "الحمد لله كِذّاباً" أي تكذيباً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تكامل هذا السبب مع سابقه تكاملاً بين الباطن والظاهر؛ فالأول ترك للترقب القلبي، والثاني رد فعلي معلن. وبهذا استوفت الآيتان جهتي الجناية: جهة القلب وجهة اللسان والعمل. ويلاحظ أن السورة استعملت لفظ "الآيات" مطلقاً؛ ليشمل ما عُرض في السورة نفسها من دلائل الأرض والجبال والأزواج والنوم والليل والنهار والسماء والسراج والماء والنبات؛ فكأنها تقول: كذبوا بكل ما مر بك تفصيله في هذه السورة. ثم يأتي بعدها بيان أن هذا التكذيب لم يضع سدى بل أُحصي وكُتب: {وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا}؛ فترتب على الجناية إثباتها ثم الجزاء عليها.