وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا
وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا
تختم سلسلة البراهين الكونية بآية الماء التي هي أظهر الأدلة على البعث: {وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية من سورة النبأ، أقوال أهل التأويل في "المعصرات"؛ فروي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أنها السحاب التي حان لها أن تمطر فتتحلب بالماء، وروي عن آخرين أنها الرياح التي تُعصر السحاب فتستدر ماءه، وروي قول ثالث أنها السماوات. وقرر الطبري أن أولى الأقوال بالصواب أنها السحاب؛ لأن الماء منها ينزل حساً ومشاهدة. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على ترجيح كونها السحاب أيضاً، وفسّر "الثجاج" بالمنصب بكثرة وتتابع. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن "الثج" شدة الانصباب، وحكى المفسرون قراءة {بالمعصرات} بالباء بدل "من"، ووجهها أن الإنزال بسبب المعصرات أو بواسطتها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية هي حلقة الوصل بين البراهين الكونية وبين مقصود السورة الأكبر؛ فإن إنزال الماء وإخراج النبات به هو المثال المحسوس للإحياء بعد الموت. ولذلك جاءت الآية بعدها معللة بلام التعليل: {لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا}؛ فلم يُذكر الماء لذاته بل لأثره. وقد رتب السياق البراهين ترتيباً صاعداً: أرض ممهدة، فجبال مثبتة، فأزواج، فنوم وليل ونهار، فسماء وسراج، ثم ماء ونبات؛ فكانت الخاتمة أقرب البراهين شبهاً بالمطلوب. ولهذا استعمل القرآن هذا الدليل عينه في مواضع كثيرة عند إثبات البعث؛ فالنظم هنا جارٍ على سنن مطردة في الكتاب.