لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا
لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا
شرع السياق في تفصيل حالهم أثناء ذلك اللبث الطويل: {لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية من سورة النبأ، أن أهل التأويل اختلفوا في "البرد"؛ فروي عن ابن عباس ومجاهد أنه النوم، وقالوا: العرب تسمي النوم برداً لأنه يبرد العطش وحرارة البدن؛ وروي عن آخرين أنه البرد المعروف الذي يُستراح إليه من الحر. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المعنى: لا يجدون في جهنم برداً يبرد قلوبهم ولا شراباً طيباً يسكن ظمأهم. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن حمل "البرد" على النوم قول مأثور له وجه في اللسان؛ وأنشد أهل اللغة عليه؛ وأن حمله على ظاهره أظهر لمقابلته بالشراب. وقرر ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، أن الجمع بين المعنيين ممكن؛ إذ نفي الجنس يستغرق كل ما يُستراح إليه من برودة أو سكون.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): اتصلت هذه الآية بما قبلها اتصال التفصيل بالإجمال؛ فبعد أن ذُكر طول اللبث سأل السامع: كيف يلبثون؟ فجاء البيان بنفي أسباب الاستراحة عنهم. ثم إن السياق سيستدرك في الآية بعدها بالاستثناء: {إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا}؛ فكان النفي المطلق هنا تمهيداً لصدمة الاستثناء هناك. وهذا من أبدع النظم؛ إذ لو ذُكر شرابهم ابتداءً لما بلغ من النفس ما بلغه بعد أن سُدّت أمامها أبواب الرجاء كلها ثم فُتح باب واحد هو أشد من الغلق. ثم إن ذكر البرد يقابل ما تقدم في السورة من ذكر الليل لباساً والنوم سباتاً؛ فما امتن به عليهم في الدنيا حُرموه في الآخرة.