إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا
إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا
بعد أن انهار الكون وسِيقت الخلائق أفواجاً، انتقل السياق إلى بيان المصير الأول: {إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية من سورة النبأ، أقوال أهل التأويل في "المرصاد"؛ فروي عن الحسن وقتادة أن معناه: أنها موضع رصد وترقب لا يجوزها أحد حتى يُنظر في أمره، وروي عن سفيان أن المعنى: عليها ثلاث قناطر. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المعنى: مرصدة معدة مهيأة لمن كذّب بها، وأنها بمرصد لمن مر عليها من الخلائق. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن "المرصاد" الطريق الذي يُرصد فيه المارّ، وأن الصراط مضروب على متن جهنم فلا بد لكل أحد من المرور عليها. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما في باب رؤية المؤمنين ربهم، ذكرُ ضرب الجسر على جهنم وأن عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم؛ فمنهم الموبق بعمله ومنهم الناجي.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل السياق هنا من أهوال يوم الفصل الكونية إلى مصائر أهله، بعد أن انتهى مشهد انهيار الكون بتسيير الجبال؛ فهذه الآية تفتتح شطر العذاب من المقطع الذي بدأ بقوله: {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا}. ووجه الانتقال أن الأرض لما زالت معالمها والسماء لما انفتحت أبوابها لم يبق للخلق مستقر إلا إحدى الدارين؛ فبدأ بذكر دار العذاب. وجاء الافتتاح بـ"إن" المؤكدة نظير الافتتاح بها في قوله قبل ذلك: {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا}؛ فتوازت الجملتان في البناء ليتوازى المعنيان: يوم موقوت، ونار مرصودة. وقد قدّم ذكر النار على ذكر الجنة في هذه السورة؛ لأن مقام السورة مقام إنذار للمكذبين المتسائلين لا مقام تبشير ابتداءً؛ فناسب البدء بما يزجرهم.