لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا
لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا
بيّن الله تعالى مدة مكثهم في ذلك المآب: {لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية من سورة النبأ، أقوال السلف في "الأحقاب"؛ فروي عن ابن عباس أن الحقب ثمانون سنة، وروي عن غيره أنه سبعون سنة، وروي عن مجاهد وقتادة والحسن أنها أحقاب لا انقطاع لها كلما مضى حقب تبعه حقب. وقرر الطبري أن الأولى أن يقال: هي أحقاب لا يعلم عددها إلا الله، وأنها لا تنقضي ولا تنتهي. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن "الأحقاب" جمع لا حد لآخره، وأن المراد الأبد الذي لا نهاية له، ونقل أن الحسن قال: لا يعلم عدد هذه الأحقاب إلا الله. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، الأقوال ثم رجّح أن التأبيد هو الصحيح؛ لأن النصوص القاطعة في خلود الكفار في النار متواترة لا تحتمل التأويل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تسلسل السياق في وصف حالهم تسلسلاً محكماً: ذكر الدار ({مِرْصَادًا})، ثم أهلها ({لِّلطَّاغِينَ})، ثم مدة إقامتهم ({لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا})، ثم طعامهم وشرابهم في الآيتين بعدها، ثم علة ذلك كله. وهذا ترتيب المنطق الطبيعي في الإخبار عن مصير: مكان، وساكن، وزمان، وحال، وسبب. وقد جاء ذكر المدة قبل ذكر أصناف العذاب؛ لأن طول الأمد هو أشق ما في العقوبة؛ إذ العذاب المؤقت يهون باحتمال انقضائه، فلما رُفع هذا الاحتمال بقي العذاب على غاية شدته.