وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا
وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا
ينتقل الاستدلال من الأرض وما فيها إلى السماء وما فوقها: {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية من سورة النبأ، أن المراد سبع سموات محكمات البناء، شداداً لا يبليها مرور الدهور ولا تنفطر لطول الأمد؛ ونقل عن ابن عباس وقتادة أن "الشداد" بمعنى المحكمات القوية. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المراد السبع الطباق في اتساعها وارتفاعها وإحكامها وإتقانها، وأنه زينها بالكواكب الثوابت والسيارة. وذكر البغوي في "معالم التنزيل"، عند تفسير هذه الآية، أن حذف الموصوف وإقامة الوصف مقامه لظهور المراد؛ إذ العدد "سبعاً" معلوم متعلقه من مواضع أخرى من الكتاب. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، أن التعبير بالبناء استعارة لإتقان الصنع وتماسك الأجزاء، لا لتشبيه السماء ببناء الآدميين في مادته.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بعد أن استوفى السياق أدلة الأرض ــ من تمهيدها ونصب جبالها وخلق الأزواج ونظام النوم والليل والنهار ــ ارتفع بالنظر إلى فوق؛ فترقّى الدليل من الأدنى إلى الأعلى، ومن الخاص بالإنسان إلى العام في الكون. وهذا الترتيب مقصود: فإن من أنكر البعث إنما أنكره استصعاباً لإعادة جسد صغير بالٍ؛ فيُقال له: انظر إلى ما هو أعظم من جسدك خلقاً؛ فالذي بنى سبعاً شداداً أهون عليه أن يعيد بنية إنسان. وهو المعنى الذي قرره القرآن صريحاً في موضع آخر: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ}. ثم إن ذكر السماء هنا تمهيد لما سيأتي في السياق نفسه من انفطارها وصيرورتها أبواباً؛ فذكر بناءها أولاً ليعظم في النفس شأن انصداعها ثانياً.