وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا
تمام نعمة النوم أن يهيّأ له ظرفه المناسب: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية العاشرة من سورة النبأ، أن المعنى: سكناً وستراً يستركم بظلمته كما يستر اللباس لابسه؛ ونقل عن ابن عباس وقتادة والسدي نحو ذلك. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الله جعل الليل يغشى الناس بظلامه وسواده فيسكن كل شيء. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن العرب تسمي الليل لباساً لأنه يستر بظلمته؛ وأنشد أهل اللغة في ذلك. وبيّن الزمخشري في "الكشاف"، عند تفسير هذه الآية، أن تسميته لباساً استعارة مبنية على أنه يغشى الأشياء كما يغشى الثوب بدن لابسه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية وسط بين نعمتين: النوم قبلها والمعاش بعدها؛ فاكتملت بها صورة تقسيم الزمن إلى سكون وحركة. وفي هذا التقسيم دليل مستقل على التدبير والحكمة؛ إذ لو كان الزمن كله ليلاً لتعطلت المعايش، ولو كان كله نهاراً لهلكت الأبدان. ثم إن ذكر الليل واللباس والستر يتناسب مع ما تقدم من ذكر الأزواج؛ فالليل ظرف سكن الزوجين، كما قال تعالى في موضع آخر: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ}.