إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا
إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا
شرع السياق في بيان ما وافق ذلك الجزاء من أعمالهم: {إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير هذه الآية من سورة النبأ، أن المعنى: إنهم كانوا لا يخافون حساباً ولا يرجونه؛ لأنهم كانوا لا يؤمنون بالبعث ولا يصدقون بالجزاء؛ ونقل أن "الرجاء" هنا بمعنى الخوف، وهي لغة معروفة عند العرب. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المعنى: لم يكونوا يعتقدون أن ثم داراً يُجازون فيها ويُحاسبون. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن "الرجاء" في اللسان يأتي بمعنى الخوف؛ ومنه قوله تعالى: {مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا}، أي لا تخافون له عظمة. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، أن نفي الرجاء أعم من نفي الخوف وحده؛ فهو نفي لكل ترقب للحساب على أي وجه كان.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية أول التعليل للجزاء الوفاق، وهي عودة إلى بؤرة السورة التي افتُتحت بها؛ فقد بدأت السورة بتساؤلهم عن النبأ العظيم واختلافهم فيه، وها هي تعود لتقرر أن جذر بلائهم إنكار الحساب. فالسورة إذاً دائرة على محور واحد: من أنكر الحساب طغى، ومن طغى استحق المآب. وقد قدّم إنكار الحساب على تكذيبهم بالآيات في الآية التالية؛ لأن إنكار الحساب هو الأصل النفسي الذي تفرع عنه التكذيب؛ فمن أمن العاقبة سهل عليه رد الدليل. وهذا ترتيب يكشف عن أن السلوك تابع للاعتقاد لا العكس.