افتتحت السورة بالسؤال عن المكذب بالدين، ثم لم تصفه بلسان المقال بل بلسان الحال؛ فجعلت دفعَ اليتيم وترك الحضّ على طعام المسكين علامتين كاشفتين عن حقيقة ما في قلبه؛ فمن لم يخف يوم الحساب لم يرحم عاجزاً ولم ينفق درهماً.
لم تبدأ السورة برد التهمة، بل بدأت بإثبات المنحة: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ}؛ فقُدِّم البناء على الهدم، وقُدِّم اليقين على الجدل؛ وهذا أصل في معالجة الطعن: أن يُملأ القلب بالحق قبل أن يُشتغل بدفع الباطل.
ختمت السورة بردٍّ يقلب الميزان: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ}؛ فلم تكتفِ بدفع الوصف عن النبي ﷺ، بل ألزمت به من رماه به؛ وجاء ضمير الفصل {هُوَ} ليقصر الوصف عليه ويخرجه عن غيره.
السورة في جملتها تُعلِّم أن العبرة ببقاء الذكر واتصال الأثر لا بامتداد النسب؛ فأبناء من شنِئوا انقرضت أسماؤهم، وذِكر النبي ﷺ مرفوع في كل أذان إلى قيام الساعة.
العرض الذي جاء به المشركون هو أقدم صور المساومة على الدين: أن يُؤخذ من كل ملة طرف ويُبنى منها دين ثالث؛ فردَّت السورة هذا العرض رداً باتاً، وقررت أن التوحيد لا يقبل الشركة ولو في لحظة واحدة.
ختمت السورة بـ{لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}؛ فأثبتت أن البراءة من دين المخالف لا تستلزم البدء بالإيذاء ولا الإكراه على الدخول؛ فهي مفاصلة اعتقادية لا إعلان اعتداء.
نزلت السورة بصيغة الشرط {إِذَا جَاءَ} قبل تمام الأمر؛ فكان في وقوعه على وفق ما أُخبر شاهد على صدق المخبر؛ وهذا وجه من وجوه دلالة النظم على مصدره.
نزل الخبر بأنه سيصلى ناراً ذات لهب وهو حيّ يسمع ويُتلى عليه سنين؛ وكان في وسعه أن ينقض القرآن كله بكلمة يظهر بها الإسلام؛ فلم يفعل، ومات على ما أُخبر به؛ فكانت السورة حجة قائمة على صدق الوحي إلى قيام الساعة.
فهو السيد الذي يُصمد إليه في الحوائج كلها لا يُصمد إلى غيره، وهو الذي كمُل في سؤدده وعلمه وحلمه وقدرته فلا نقص فيه بوجه.
{وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ} يقطع دابر التشبيه والتمثيل في الذات والصفات، ويسدّ باب اتخاذ الأنداد والشفعاء والوسائط والصاحبة والنظير.