نهيٌ عن التناجي بالإثم والعدوان ومعصية الرسول، وأمرٌ بالتناجي بالبر والتقوى؛ فلم يُحرَّم أصل السرّ بل حُرّم مضمونه الفاسد.
حكمٌ نزل ليمتحن الصدق ويقلّل الإكثار على النبي ﷺ، ثم رُفع تخفيفاً؛ وفيه بيان أن التكليف يُقصد به التربية لا الإعنات.
عرضت السورة نموذجين متقابلين للأذى: أذى قوم موسى لنبيهم مع علمهم بصدقه، وتكذيب بني إسرائيل لعيسى بعد البينات؛ ليحذر المسلمون أن يسلكوا سبيلهم في مخالفة القول للعمل، وليعلموا أن الزيغ الاختياري يعقبه إزاغة جزائية من الله.
تسجيل شهادة عيسى عليه السلام بنبوة محمد ﷺ باسمه الصريح {اسْمُهُ أَحْمَدُ}؛ فهو تصديق سابق لاحق، وحجة على أهل الكتاب في إعراضهم، وربط بين حلقات الوحي في سلسلة واحدة.
تصوير سعي المكذبين في إطفاء نور الله بأفواههم؛ وهي صورة تجمع بين العجز والسخف، ثم إعلان الوعد القاطع: {وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ}، ثم تقرير الغاية من البعثة: {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ}.
التسبيح الكوني، والامتنان بالبعثة في الأميين ووظائفها الأربع، وامتداد الرسالة، وتقرير أن ذلك محض فضل.
تقرير أن الله بعث في قوم لا كتاب لهم رسولاً منهم، وأسند إليه أربع وظائف: تلاوة الآيات، وتزكية النفوس، وتعليم الكتاب، وتعليم الحكمة؛ وبيان ما كانوا عليه قبلها من ضلال مبين.
قوله {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} تقرير لعموم الرسالة في الزمان والمكان، وأن هذه البعثة ليست وقفاً على الجيل الأول ولا على العرب وحدهم.
افتتحت السورة بحكاية قولهم {نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ}، ثم فصل بينهم وبين مضمون الشهادة بشهادة الله على كذبهم؛ فأثبت الرسالة ونفى صدقهم فيها؛ فتقرر أن العبرة بمطابقة القلب للسان لا بحسن العبارة.
منّة إرسال الرسول التالي للآيات، وعظمة الخلق وإحاطة العلم.
ذكر الرسول التالي للآيات المبينات المخرج من الظلمات إلى النور، ثم خلق السبع السماوات وما يقابلها من الأرض، وتنزّل الأمر بينهن؛ ليُعلم أن هذه الأحكام صادرة عمن أحاط بكل شيء علماً.
افتُتحت السورة بالعتاب اللطيف على تحريم الحلال؛ فإذا كان النبي ﷺ يُعاتب على ذلك فغيره أولى بالمنع، وهذا سدّ لباب الابتداع في الدين.
عرض السورة لما جرى من إفشاء الحديث، وبيان أن الله أطلع نبيه عليه؛ ففي ذلك تربية على صيانة الأسرار وعلى معرفة أن الخفيّ عند الله ظاهر.
افتتحت السورة بالقسم الجليل {ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ}، ثم جاء النفي القاطع للتهمة {مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}، ثم تقرير الأجر الدائم {وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ}، ثم أعلى ما وُصف به بشر في كتاب الله: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}. فانتقل البيان من نفي النقص إلى إثبات الكمال، وهذا أبلغ من الاقتصار على النفي.
القسم وتبرئة النبي ﷺ وتقرير كمال خُلقه ورد الحكم إلى الله.
نُهي النبي ﷺ عن طاعة المكذبين {فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ}، وكُشف عن مرادهم {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ}؛ فالمساومة على الحق ليست حلاً وسطاً بل هي أول الانهيار.
لما تقرر الخبر بقي أن يُوثَّق المخبِر؛ فجاء القسم {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ}، ثم تنزيه القرآن عن الشعر والكهانة، ثم إثبات مصدره {تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ}، ثم أشد ما في السورة من التهديد وهو موجه إلى النبي ﷺ نفسه على سبيل الفرض المحال: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ}؛ وهو أبلغ برهان على أمانة التبليغ.
جاء دعاؤه {لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} معلَّلاً بعلة نبوية دقيقة {إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ}؛ فهو دعاء مبني على علم بحالهم وحال ذريتهم، وقد أعلمه الله من قبل: {أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ}.
عمدت السورة إلى نقل كلام الجن بلفظه لا بمعناه؛ فجاءت الشهادة من طائفة لا يُتهمون بمجاملة النبي ﷺ ولا بموالاته، بل كانوا قبلُ خصوماً للوحي مستمعين للسماء؛ فكانت شهادتهم أقوى في الحجاج على قريش من شهادة من آمن من قومهم.
إعلانات النبي ﷺ في تحرير موقعه ووظيفته.
ختمت السورة بأدق تقرير في هذا الباب: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ}؛ فأثبتت الأصل ثم استثنت استثناءً مضبوطاً بالرسالة والارتضاء وبحراسة ملائكية من بين يديه ومن خلفه؛ فلا يبقى لمدّعٍ متعلق.
أمر الله نبيه أن يعلن أنه لا يملك ضراً ولا رشداً، وأنه لن يجيره من الله أحد، وأنه ليس له إلا البلاغ؛ فقُطعت دعوى من يرفعه فوق منزلة العبودية، كما قُطعت دعوى من ينكر رسالته؛ إذ إن هذا الإعلان نفسه من أظهر دلائل صدقه.
افتتاح السورة بنداء النبي ﷺ في حال تزمله وسكونه، ثم مباغتته بالأمر بالقيام؛ فهو إعلان بأن زمن الدعة قد انقضى، وأن من حُمّل الأمانة لا يجد لذة الفراش كما يجدها غيره.
{وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ}؛ تسلية للنبي ﷺ بأن تولي أمرهم ليس من شأنه، وتنبيه إلى أن الترف والنعمة هما مادة التكذيب في أكثر الأمم.
ضرب المثل بإرسال رسول إلى فرعون وعصيانه وأخذه أخذاً وبيلاً؛ ليعلم مكذبو قريش أن سنة الله في المكذبين واحدة لا تتبدل.
افتُتحت السورة بنداء التلطف والوصف الحالي، ثم بسبعة أوامر متتابعة على وزن واحد وروي واحد: القيام، والإنذار، وتكبير الرب، وتطهير الثياب، وهجر الرجز، وترك المنِّ الاستكثاري، والصبر لله. فهذه هي منظومة التكليف الأولى للنبوة: عقيدةٌ في القلب، وطهارةٌ في الظاهر، وبراءةٌ من الوثنية، ونزاهةٌ في الباعث، وثباتٌ على الطريق.
اعترض السياق بأربع آيات توجّه النبي ﷺ إلى ترك العجلة بالقرآن، وتتكفل له بالجمع والقراءة والبيان: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ}؛ فقُرن ضمان حفظ الوحي بتقرير البعث؛ إذ الخبر لا يُوثق به إلا بعد الوثوق بسلامة الطريق الذي جاء منه.
{إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا}؛ آية واحدة موجزة قابلها في المقابل ثمانية عشر آية في نعيم الأبرار؛ وهذه القسمة نفسها رسالة في سبق الرحمة للغضب.
تثبيت النبي ﷺ ورسم منهاجه.
الصبر لحكم الرب، وعدم طاعة آثم أو كفور، وذكر الله بكرة وأصيلاً وسجود بالليل وتسبيح طويل؛ فهو المنهاج نفسه الذي رُسم في سورة المزمل.
سؤالهم عن ميقات الساعة وجوابه، وحصر وظيفة النبي في الإنذار.
ختمت السورة بجواب سؤالهم عن وقت الساعة: {فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا * إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا}؛ فقُطعت أطماع السائلين في تحديد الميقات، وصُرفت هممهم إلى الاستعداد لا إلى التوقيت.
الانتقال من عتاب النبي ﷺ في شأن مُقبِل إلى تقريع جنس الإنسان المكذب: {قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ}، ثم مساءلته عن أصله: {مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ}، وسرد أطواره الخمسة: النطفة، والتقدير، وتيسير السبيل، والإماتة والإقبار، والإنشار.
القسم على صدق الوحي وتبرئة الرسول والملَك ثم تقرير المشيئة.
أقسم الله بالكواكب الخنّس الجواري الكنّس، وبالليل إذا أدبر، وبالصبح إذا تنفس؛ ليقرر أن هذا القرآن قول رسول كريم، أي جبريل عليه السلام، الموصوف بخمس صفات تسدّ كل منفذ للطعن: القوة، والمكانة عند ذي العرش، والطاعة في الملأ الأعلى، والأمانة على الوحي.
نفت السورة عن رسول الله ﷺ الجنون: {وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ}، وأثبتت له الرؤية اليقينية للملَك: {وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ}، ونفت عنه البخل بالغيب وكتمانه: {وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ}، ثم نفت عن الوحي أن يكون من إلقاء الشياطين: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ}. فهي محاكمة متكاملة لكل ما رمته به قريش.
كيد المكذبين وكيد الله، وأمر النبي ﷺ بالإمهال.
ختمت السورة بأمر النبي ﷺ بالإمهال الرفيق: {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا}؛ وهو أمر يجمع بين ضبط النفس عن الاستعجال، والوعيد الخفي بأن المهلة قصيرة، وأن ما بعدها حساب من الحافظ الذي أحصى.
تأمين النبي ﷺ على الوحي، وتيسير طريقه، وحصر وظيفته في التذكير.
{سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ}، {وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ}؛ فرفعت السورة عنه ثقل الحرص على الحفظ، وبشّرته بأن طريقه ميسَّر؛ فاجتمع له تأمين على المحفوظ وتيسير في الطريق.